خاص – بيروت بوست
فيما يلي تقدير موقف استراتيجي حول الضربة الأميركية في فنزويلا (بغضّ النظر عن نطاقها أو شكلها: عسكرية مباشرة، عملية أمنية خاصة، أو تصعيد سياسي–اقتصادي حاد)، وانعكاساتها غير المباشرة على لبنان:
أولاً: توصيف الحدث ودلالاته الاستراتيجية
التحرّك الأميركي ضد فنزويلا لا يمكن قراءته كملف لاتيني معزول، بل كجزء من إعادة ترتيب أميركية للهوامش الجيوسياسية في ظل:
- احتدام المواجهة مع روسيا (أوكرانيا وما بعدها).
- الصراع المفتوح مع إيران على أذرع النفوذ.
- التنافس البنيوي مع الصين على موارد الطاقة والأسواق والتموضع العالمي.
فنزويلا تمثّل:
- عقدة نفطية حساسة.
- نقطة نفوذ روسي – صيني – إيراني في “الحديقة الخلفية” لواشنطن.
- سابقة سياسية تقول إن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة أو الإكراه المركّب حين تعتبر أن توازن الردع يُختبر خارج الشرق الأوسط.
ثانياً: الرسائل الأميركية الضمنية
الضربة تحمل ثلاث رسائل أساسية:
- لا مناطق محصّنة خارج الشرق الأوسط: أي طرف يراكم نفوذاً مضاداً لواشنطن قد يُستهدف في توقيت مفاجئ.
- فصل الساحات… وربط الرسائل: أميركا قادرة على الضرب في أميركا اللاتينية لإرسال إشارات ردع لإيران وروسيا دون مواجهة مباشرة في ساحاتهما الأساسية.
- استخدام الاقتصاد كامتداد للقوة العسكرية: ما بعد الضربة غالباً يكون أشد وطأة من الضربة نفسها (عقوبات، حصار، عزل).
ثالثاً: كيف ينعكس ذلك على لبنان؟
1. لبنان كساحة متأثرة لا كهدف مباشر
لبنان ليس في دائرة الاستهداف المباشر، لكنه ساحة ارتدادات بسبب:
- موقعه في شبكة النفوذ الإيراني.
- هشاشته المالية والاقتصادية.
- اعتماده على التوازنات الدولية أكثر من قراره الذاتي.
2. تشديد المقاربة الأميركية تجاه أذرع إيران
إذا كانت واشنطن مستعدة للضرب في فنزويلا، فهذا يعني:
- انخفاض منسوب التسامح الأميركي مع أي هامش مناورة لحلفاء طهران.
- انتقال من سياسة “إدارة الأزمات” إلى “رفع الكلفة”.
في لبنان هذا قد يترجم بـ:
- تشديد مالي ورقابي إضافي.
- تجميد أي تساهل سابق في ملفات المصارف، التحويلات، أو الدعم الدولي.
- ربط أي انفراج اقتصادي بمستوى “الالتزام السياسي والأمني”.
3. الاقتصاد اللبناني هو الحلقة الأضعف
الانعكاس الأخطر ليس عسكرياً بل اقتصادي–مالي:
- أي توتر دولي كبير يرفع أسعار الطاقة ويضغط على الدولار.
- لبنان، المستورد الصافي، يدفع الثمن فوراً.
- أي تشديد عقوبات على إيران أو حلفائها ينعكس على:
- التحويلات.
- التمويل.
- الثقة الهشّة أصلاً بالقطاع المالي.
4. تراجع أولوية “حماية الاستقرار اللبناني”
في مراحل التوتر الدولي:
- تُصبح الدول الهشّة ملفات ثانوية.
- يتقدّم منطق “دعهم يتدبّرون أمرهم” على منطق الرعاية الدولية.
وهذا خطر على لبنان، لأن:
- استقراره تاريخياً كان نتيجة قرار دولي لا توازن داخلي.
- أي فراغ دولي يفتح الباب لتوتّرات داخلية أو رسائل أمنية.
رابعاً: سيناريوهات محتملة على الساحة اللبنانية
السيناريو الأول: احتواء ناعم (الأرجح)
- لا تصعيد أمني.
- ضغط اقتصادي وسياسي متدرّج.
- إبقاء لبنان تحت سقف “اللا انفجار… ولا إنقاذ”.
السيناريو الثاني: استخدام لبنان كساحة رسالة
- توترات أمنية محدودة.
- تشديد في ملفات حساسة (السلاح، الحدود، المصارف).
- رسائل غير مباشرة لإيران عبر الساحة اللبنانية.
السيناريو الثالث: فوضى محسوبة (الأخطر)
- انهيارات إضافية.
- شلل سياسي أطول.
- انفلات اجتماعي دون حرب شاملة.
خامساً: الخلاصة الاستراتيجية
- الضربة الأميركية في فنزويلا ليست بعيدة عن لبنان، ولو جغرافياً.
- الرسالة الأساسية: واشنطن تعود لاستخدام القوة المركّبة حين ترى أن ميزان الردع يميل ضدها.
- لبنان، بوضعه الحالي، غير محصّن أمام ارتدادات الصراعات الكبرى.
- أخطر ما في المرحلة المقبلة هو تحوّل لبنان من ملف يجب حمايته إلى ورقة يمكن الضغط بها.
التحصين الوحيد المتاح للبنان ليس عسكرياً، بل سياسي–اقتصادي:
- تخفيف الارتهان.
- خفض منسوب التحدّي.
- إعادة التموضع كدولة “تريد النجاة” لا كساحة صراع بالوكالة.





