
خاص – بيروت بوست
تكشف المعطيات المستقاة، من أكثر من مصدر، عن ملامح استراتيجية إسرائيلية آخذة بالتبلور، تتجاوز البعد التكتيكي أو المرحلي، لتلامس مستوى إعادة هندسة الإقليم سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
استراتيجية تنطلق من إدراك إسرائيلي عميق للتحولات الجارية في الشرق الأوسط، سواء لجهة تراجع الانخراط الأميركي المباشر، أو تصاعد أدوار قوى إقليمية منافسة، وفي مقدّمها إيران وتركيا، فضلاً عن تنامي هشاشة الممرات البحرية التقليدية في ظل التوترات المتكررة.
في جوهر هذه الرؤية، تسعى إسرائيل إلى تثبيت نفسها ليس فقط كقوة عسكرية متفوقة، بل كعقدة مركزية في شبكات الاقتصاد والطاقة والتجارة الإقليمية. فالربط المقترح بين دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية، مروراً بالأردن وربما سوريا مستقبلاً، وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، يعكس محاولة واضحة لتحويل الجغرافيا السياسية إلى أداة نفوذ.
فبدلاً من أن تبقى إسرائيل كياناً معزولاً محاطاً ببيئة عدائية، تعمل على إعادة تعريف موقعها كجسر بري – بحري يربط الخليج بأوروبا والأسواق الغربية.
وفق هذا المنظور، تُوظَّف اتفاقيات التطبيع، في بعدها الدبلوماسي أو الرمزي، كأداة عملية للاندماج الإقليمي القسري أو شبه القسري، اذ تفتح الباب أمام مشاريع بنى تحتية عابرة للحدود، تشمل سكك حديد، خطوط نقل بري، أنابيب طاقة، وممرات لوجستية، بما يخلق مصالح اقتصادية متشابكة تجعل فك الارتباط مع إسرائيل أكثر كلفة على الشركاء العرب. بهذا المعنى، يتحول “السلام الاقتصادي” إلى آلية ضبط سياسي وأمني طويل الأمد.
من هنا، يعكس التركيز على إيجاد مسارات بديلة لمضيق هرمز وقناة السويس بدوره هواجس استراتيجية إسرائيلية وخليجية مشتركة. فمضيق هرمز يبقى تحت تهديد دائم بفعل الصراع مع إيران، فيما أظهرت أزمة السفينة الجانحة في قناة السويس، إضافة إلى التوترات الأمنية في البحر الأحمر، مدى هشاشة هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية. هكذا، تبدو إسرائيل حريصة على تقديم نفسها كبديل “آمن ومستقر”، قادر على ضمان تدفق السلع والطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.
في هذا السياق، يبرز دور الأردن ومصر كحلقتين حاسمتين في إنجاح المخطط. الأردن يشكل الجسر الجغرافي والسياسي الذي لا غنى عنه لربط الخليج بإسرائيل براً، وهو دولة تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على المساعدات والاستثمارات الخارجية، ما يجعلها أكثر قابلية للانخراط في مثل هذه المشاريع.
أما مصر، فرغم أن أي مسار بديل لقناة السويس قد يُنظر إليه كتهديد مباشر لمصالحها، إلا أن إدماجها في الخطة، عبر شراكات طاقة أو لوجستية، قد يكون وسيلة لتخفيف اعتراضها وضمان حد أدنى من التوافق.
في المحصلة، تعكس هذه الاستراتيجية الإسرائيلية انتقالاً من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الإقليم عبر الاقتصاد والبنى التحتية، لكنها في الوقت نفسه تحمل بذور توترات جديدة، إذ إن إعادة رسم خرائط النفوذ بهذه الطريقة قد تصطدم بحسابات دولية وإقليمية معقدة، وتثير حساسيات داخلية في أكثر من دولة عربية، ما يجعل نجاحها مرهوناً بتوازنات دقيقة لم تُحسم بعد.





