خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

تقدير موقف: إيران على حافة اختبار داخلي وتداعياته الإقليمية

خاص – بيروت بوست

تشهد إيران في المرحلة الراهنة موجة جديدة من التحركات الشعبية، تتفاوت في حدّتها واتساعها الجغرافي، لكنها تتقاطع جميعاً عند نقطة مركزية: تآكل الثقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والنظام السياسي، في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وضغوط اجتماعية متراكمة، وشعور عام بأن الدولة باتت أقل قدرة على تلبية الحدّ الأدنى من تطلعات المواطنين.

تحركات تأتي في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً، تزامناً مع تصعيد سياسي وإعلامي من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لوّح بتدخل أميركي مباشر في حال أقدمت السلطات الإيرانية على إطلاق النار على المتظاهرين.

تهديد، وإن بدا في ظاهره إنسانياً أو دفاعاً عن “حق التظاهر”، يحمل في عمقه أبعاداً استراتيجية تتجاوز الداخل الإيراني، ليطال مجمل الصراع الإقليمي، ولا سيما محور إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

أولاً: طبيعة التحركات الشعبية في إيران:
لا يمكن فصل التحركات الحالية عن السياق البنيوي للأزمة الإيرانية. فهي ليست انتفاضة شاملة حتى اللحظة، لكنها أيضاً ليست احتجاجات معيشية عابرة، اذ يميزها:
– تنوع الدوافع: من الغلاء وتراجع العملة، إلى البطالة، مروراً بالقيود الاجتماعية والحريات.
– اتساع القاعدة الاجتماعية: لم تعد مقتصرة على الطبقات الفقيرة أو الأطراف، بل بدأت تلامس الطبقة الوسطى في المدن الكبرى.
– غياب القيادة الموحدة: وهو عامل يحدّ من قدرتها على التحول إلى حركة تغيير سياسي شامل، لكنه في الوقت نفسه يصعّب على النظام احتواءها بسرعة.
فالنظام الإيراني، بخبرته الطويلة في إدارة الأزمات الداخلية، لا يزال يراهن على مزيج من الاحتواء الأمني، والضبط الإعلامي، وتقديم تنازلات محدودة لا تمس جوهر السلطة.

ثانياً: دلالات تهديد ترامب بالتدخل:
تهديد ترامب بالتدخل في حال استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين لا يمكن قراءته بمعزل عن:
– الاستثمار السياسي الأميركي في أي اضطراب داخلي إيراني لإضعاف النظام دون الانزلاق إلى حرب مباشرة.
– رسالة ردع مزدوجة: موجهة للنظام الإيراني من جهة، ولحلفاء واشنطن الإقليميين من جهة أخرى، مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال اللاعب القادر على فرض خطوط حمراء.
– سلاح الضغط النفسي: إذ يدفع النظام الإيراني إلى حسابات دقيقة في كيفية التعامل مع الشارع، خوفاً من استغلال أي خطأ أمني لتبرير تصعيد خارجي.
لكن في المقابل، يدرك ترامب أن أي تدخل مباشر يحمل مخاطر تفجير مواجهة إقليمية واسعة، ما يجعل تهديده أقرب إلى الضغط السياسي والإعلامي منه إلى قرار عسكري وشيك.

ثالثاً: السيناريوهات المحتملة داخل إيران:
– سيناريو الاحتواء: وهو الأرجح على المدى القصير: ضبط أمني محسوب، اعتقالات محدودة، وامتصاص الزخم تدريجياً دون مجازر، لتفويت الذريعة على واشنطن.
– سيناريو التصعيد الداخلي: في حال خرجت الأمور عن السيطرة وسقط ضحايا بأعداد كبيرة، ما قد يفتح الباب أمام عقوبات أشد، وربما تحركات دولية أوسع ضد طهران.
– سيناريو التدويل: حيث تتحول الاحتجاجات إلى ملف دولي دائم، يُستخدم كورقة ضغط في أي تفاوض مقبل حول النووي أو الدور الإقليمي.

رابعاً: التداعيات على الصراع الإقليمي:
– انكفاء إيراني نسبي: انشغال طهران بالداخل قد يفرض خفضاً في مستوى المبادرة الإقليمية، دون التخلي عن النفوذ.
– حذر لدى حلفاء إيران: من لبنان إلى العراق واليمن، حيث يُعاد حساب مستوى التصعيد بانتظار اتضاح الصورة في طهران.
– فرص ضغط أميركية – إسرائيلية: لمحاولة فرض وقائع جديدة، مستفيدة من أي ارتباك إيراني داخلي.
– مخاطر الانفجار: إذ قد تلجأ إيران، في حال شعرت بتهديد وجودي، إلى تصعيد خارجي محسوب لصرف الأنظار عن الداخل.

خامسا: خلاصة تقدير الموقف:
تقف ايران اليوم أمام اختبار توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتفادي إعطاء خصومها الذريعة للتدخل أو التصعيد. فتهديد ترامب يرفع سقف التوتر، لكنه لا يعني بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية مباشرة، بل يندرج في إطار حرب الضغط المتعدد الأدوات.

أما إقليمياً، فإن أي اهتزاز داخلي في إيران، حتى لو بقي مضبوطاً، سينعكس توتراً إضافياً على ساحات الصراع المفتوحة، ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية وقابلة للانزلاق عند أي خطأ في الحسابات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى