خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

واشنطن تكسر المحظور

خاص – بيروت بوست

في لحظةٍ بدت كأنها خرجت من كواليس الحرب الباردة لا من نشرات القرن الحادي والعشرين، دوّى خبر اعتقال واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كزلزالٍ سياسي هزّ بنية النظام الدولي، وأعاد فتح أسئلة كبرى حول معنى السيادة، وحدود القوة، وقواعد الاشتباك بين الدول الكبرى.

ليس الحدث، بحدّ ذاته، تفصيلاً أمنيًا أو إجراءً قضائيًا عابرًا، بل هو تحوّل نوعي في منطق إدارة الصراع الدولي، حيث تنتقل الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء والعقوبات والضغط غير المباشر، إلى منطق الفعل الصادم الذي يكسر الخطوط الحمراء ويختبر ردود الفعل العالمية دفعة واحدة.


فاعتقال رئيس دولة، مهما كانت شرعيته محل جدل، لا يمكن فصله عن رسالة استراتيجية أوسع: واشنطن تقول بوضوح إنها لم تعد ترى نفسها مقيّدة بالأعراف التقليدية التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا حتى بتوازنات ما بعد الحرب الباردة.

إنها لحظة إعلان عن عقيدة قوة جديدة، قوامها أن الخصومة مع الولايات المتحدة لم تعد تُدار فقط عبر العزل أو العقوبات، بل قد تنتهي بإخراج الخصم من المعادلة السياسية بالقوة المباشرة.


لكن خطورة هذا التطور لا تكمن فقط في مصير مادورو أو مستقبل فنزويلا، بل في السابقة التي يؤسس لها. فحين تُكسر قاعدة عدم المساس برؤساء الدول خارج ساحات الحرب المعلنة، يصبح كل حليف لروسيا أو إيران أو الصين، وكل نظام “مشاغب” في نظر واشنطن، أمام سؤال وجودي: هل ما جرى في كاراكاس يمكن أن يتكرر في مكان آخر؟ وهل لا تزال المظلة الدولية، بمؤسساتها وقوانينها، قادرة على حماية الدول الضعيفة أو المتوسطة من إرادة القوة العظمى؟

في هذا السياق، يتحول اعتقال مادورو إلى اختبار مباشر للنظام الدولي: هل تكتفي موسكو وبكين وطهران بالإدانة، أم تبحث عن ردود غير تقليدية تعيد التوازن المفقود؟ وهل تدخل أميركا اللاتينية مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي، أم تنزلق إلى فوضى مفتوحة تحت عنوان “تصحيح الأنظمة” بالقوة؟ والأهم، هل نحن أمام حادثة استثنائية أم أمام بداية مرحلة تُدار فيها الأزمات العالمية بمنطق الصدمة والردع القصوى؟


ما جرى يتجاوز فنزويلا، ويتجاوز مادورو كشخص. إنه حدث يعيد تعريف العلاقة بين القوة والقانون، وبين الشرعية والواقع، ويفتح الباب على مرحلة دولية أكثر خشونة، حيث لم تعد القواعد ثابتة، ولا الخطوط الحمراء مضمونة، وحيث يصبح السؤال المركزي ليس: من المخطئ ومن المصيب؟ بل: من التالي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى