
خاص – بيروت بوست
أولاً: سياق التصريح ودلالاته السياسية:
يأتي تصريح نائب رئيس الحكومة في توقيت بالغ الحساسية، إقليميًا ولبنانيًا، حيث تشهد الساحة السورية تحولات أمنية معقّدة مرتبطة بإعادة تموضع بقايا منظومة النظام السابق، واحتمالات تشكّل شبكات ضباط أو مجموعات تعمل خارج الإطار الرسمي للدولة السورية الجديدة أو القائمة.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة كلام متري على أنه توصيف أمني عابر، بل هو موقف سياسي – أمني محسوب يعبّر عن إدراك رسمي لبناني لمخاطر الانزلاق مجددًا إلى دور “الساحة” أو “المنصة” لصراعات الآخرين.
اللافت في التصريح هو استخدامه صيغة الشرط: “إذا صحّ أن هناك تحركات واسعة…”، ما يعكس حرصًا على عدم التسرّع في الاتهام أو التورط في خطاب تصعيدي، مع الإبقاء على مستوى عالٍ من الجهوزية السياسية والأمنية.
ثانيًا: البعد الأمني – هواجس الدولة اللبنانية:
يشير متري بوضوح إلى هاجس أساسي لدى الدولة اللبنانية، يتمثل في احتمال استخدام الأراضي اللبنانية كنقطة انطلاق لعمليات أمنية أو عسكرية تهدد الداخل السوري.
هذه النقطة بالذات تحمل دلالات خطيرة، إذ تعيد إلى الأذهان تجارب سابقة استخدمت فيها الساحة اللبنانية لتصفية حسابات إقليمية، ما أدّى إلى أثمان أمنية وسياسية باهظة.
فتأكيده على دور الأجهزة الأمنية في التحقق من المعطيات يعكس أمرين:
– وجود معلومات أو تقارير غير مكتملة أو قيد التحقق.
– رغبة رسمية في الإمساك بالملف عبر القنوات المؤسساتية، وعدم تركه عرضة للتوظيف السياسي أو الإعلامي.
أمران يعكسان محاولة إعادة الاعتبار لدور الدولة، ولو بالحد الأدنى، في ملف لطالما شكّل نقطة ضعف بنيوية للبنان.
ثالثًا: العلاقات اللبنانية – السورية: من إدارة التوتر إلى منع الانفجار:
الشق الأبرز في التصريح هو التأكيد على الحرص على عدم اضطراب العلاقة مع سوريا، لا سيما في الجانب الأمني. هذا الكلام يشي بأن بيروت تدرك أن أي خلل أمني مرتبط بالحدود أو بالنشاطات المعادية لسوريا انطلاقًا من لبنان، سيُفسَّر في دمشق، رسميًا أو ضمنيًا، على أنه تقصير أو تواطؤ.
من هنا، يسعى متري إلى توجيه رسالة مزدوجة:
– إلى الداخل اللبناني: أن الحكومة لن تغطي أي نشاط أمني أو سياسي يعرّض لبنان لمخاطر مباشرة.
– إلى الجانب السوري: أن لبنان الرسمي حريص على الاستقرار الأمني المشترك، ولن يسمح بتحويل أراضيه إلى قاعدة خلفية لأي تهديد.
بذلك يحاول متري الانتقال بالعلاقة من منطق ردّات الفعل إلى منطق الضبط الوقائي للأزمات.
رابعًا: الرسائل الإقليمية والدولية الضمنية:
لا يمكن فصل هذا التصريح عن المناخ الإقليمي والدولي، حيث تراقب عواصم كبرى أي مؤشرات لعودة الفوضى الأمنية العابرة للحدود. فكلام متري يوحي بأن لبنان يحاول:
– تقديم نفسه كشريك مسؤول في حفظ الاستقرار الحدودي.
– تجنّب أي تصنيف سلبي جديد ك”دولة رخوة” تُستخدم لتقويض أمن الجوار.
كما أن الإشارة إلى “ضباط برموز بشار الأسد” تحمل بُعدًا سياسيًا دقيقًا، إذ تضع هذه التحركات، إن ثبتت، خارج الشرعية السورية الحالية، ما يبرّئ لبنان من أي شبهة دعم أو تغطية.
خامسًا: تقدير الموقف – السيناريوهات المحتملة:
– سيناريو الاحتواء: تنجح الأجهزة الأمنية اللبنانية في ضبط أي تحركات مشبوهة، ويتم احتواء الملف بهدوء، ما يعزز التنسيق الأمني مع دمشق ويحول دون أي تصعيد.
– سيناريو التصعيد المحدود: في حال ثبت وجود نشاط منظم لضباط أو مجموعات سورية على الأراضي اللبنانية، قد يفرض ذلك ضغوطًا سورية مباشرة أو غير مباشرة على لبنان، وربما يفتح الباب أمام توتر أمني موضعي.
– سيناريو التدويل: إذا استُخدم الملف سياسيًا أو إعلاميًا بشكل مفرط، قد يتحول إلى مادة للتجاذب الإقليمي والدولي، ما يضع لبنان مجددًا في موقع الحلقة الأضعف.
عليه، فان تصريح نائب رئيس الحكومة ليس مجرد موقف إعلامي، بل هو إنذار مبكر ومحاولة استباقية لمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة أمنية غير محسوبة مع سوريا أو إلى فوضى داخلية جديدة. فهو تعبير عن إدراك رسمي بأن الاستقرار اللبناني بات مرتبطًا مباشرة بأمن الجوار، وأن أي تهاون في هذا الملف قد تكون كلفته أعلى بكثير من قدرة الدولة على الاحتمال.
بكلام آخر، يحاول متري رسم خط أحمر واضح: لبنان ليس منصة، ولا ساحة، ولا صندوق بريد لصراعات ما بعد بشار الأسد، ولو كان هذا الموقف لا يزال يصطدم بواقع داخلي هش وقدرات محدودة.





