خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف | واشنطن وحزب الله وسوريا: قراءة براك الاستراتيجية

خاص – بيروت بوست

عكست تصريحات توم براك، قراءة استراتيجية أميركية دقيقة للواقع الإقليمي، موضحا النهج الذي تتبناه واشنطن حيال الملفات اللبنانية والسورية والإيرانية. تحليل هذه التصريحات يظهر مزيجًا من الدبلوماسية والضغط، مع اعتماد واضح على مقاربة واقعية تهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

1. الأبعاد اللبنانية:

أشار براك إلى أن السفير الأميركي الجديد في لبنان، ميشال عيسى، سيؤدي دورًا محورياً في توجيه حزب الله نحو “حوار مدني”. هذا يوضّح استراتيجية أميركية مزدوجة: استخدام الدبلوماسية المكثفة لتقليص النفوذ العسكري للحزب ضمن المشهد السياسي اللبناني، مع دفعه للاندماج في المؤسسات الرسمية بطريقة تحمي الدولة من انهيار كامل. في الوقت نفسه، اعترافه بأن الجيش اللبناني غير قادر على نزع سلاح جماعات واسعة بالقوة، يعكس إدراكًا أميركيًا للقيود الداخلية للبنان، ويدعم خيار الحل السياسي والتفاوضي بدل المواجهة العسكرية، مع الحفاظ على استقرار هش في البلاد.

هذه المواقف تؤكد أن واشنطن لا تزال تعتبر حزب الله لاعبًا محوريًا يجب التعامل معه بحذر، لكنها تسعى لتوجيه سلوكه دون إشعال صراع داخلي يفاقم الأزمة اللبنانية. بالتالي، من المتوقع استمرار الدبلوماسية الأميركية المكثفة، مع ضغط تدريجي على الأطراف السياسية اللبنانية لضمان مشاركة حزب الله ضمن آليات الدولة الرسمية.

2. الأبعاد السورية والإقليمية:

تطرّق براك إلى أن جزءًا من الحل في سوريا يكمن في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، ما يشير إلى مقاربة أميركية ترتكز على الواقع الميداني والحدود الإقليمية بدل السعي إلى تغيير النظام السوري. هذه الاستراتيجية تعكس فهمًا لضرورة دمج دمشق في أي تسوية إقليمية محتملة، مع مراعاة النفوذ الإيراني والروسي، وإبقاء النظام السوري مسؤولًا جزئيًا عن إعادة الاستقرار الداخلي.

كما أشار إلى أن السوريين يُحسنون السير قُدُماً في ظروف صعبة، في رسالة مزدوجة: تقدير للجهود المحلية، وتحفيز للنظام على الانخراط في مسارات إعادة الإعمار المحدودة، ضمن إشراف دولي يضمن عدم استغلال الوضع لمصالح أحادية. هذه اللغة تعكس حرص واشنطن على عدم دفع سوريا إلى مزيد من العزلة، لكنها أيضًا تحدد سقف التوقعات الدولية للحد من النفوذ الإيراني في دمشق.

3. الأبعاد الإيرانية والدولية:

أكد براك أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لم تنتهِ بعد، وأن مسار التفاوض لا يزال مفتوحًا رغم التعقيدات، وأن المنطقة بحاجة إلى مقاربة إقليمية وليس إلى تغيير النظام في طهران. هذا يعكس سياسة أميركية قائمة على ضبط النفوذ الإيراني من خلال أدوات دبلوماسية، وموازنة القوى الإقليمية بدل الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.

كما أشار إلى أن الميليشيات الإيرانية في العراق ما زالت تعرقل عمل الدولة، وهو اعتراف صريح بتأثير النفوذ الإيراني غير المباشر على عمل الحكومات المحلية، ويؤكد أن واشنطن ستواصل مراقبة هذه الفاعليات ودعم الدولة العراقية لتعزيز سيادتها وأمنها الداخلي.

4. التقدير الاستراتيجي:

– لبنان: تركيز أميركا على الحوار المدني مع حزب الله معترفًا بالقيود العسكرية يعكس سعي واشنطن لتثبيت الدولة اللبنانية وتقليل خطر الانهيار، مع الحفاظ على نفوذ دبلوماسي متوازن.

– سوريا: التركيز على اتفاق مع إسرائيل ومسار إعادة الإعمار المحدود يشير إلى استراتيجية أميركية واقعية تهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي، وتقييد النفوذ الإيراني، مع إبقاء النظام السوري ضمن دائرة المشاركة المحدودة.

– إيران والعراق: سياسة ضبط النفوذ الإيراني عبر المفاوضات المستمرة والدعم لبغداد في مواجهة الميليشيات تعكس مزيجًا من الضغط والدبلوماسية لتقليل تأثير إيران الإقليمي دون محاولة تغيير النظام.

توضح تصريحات براك،  استراتيجية أميركية متوازنة بين الضغط والدبلوماسية، تركز على الحلول الواقعية بدلاً من المواجهة العسكرية المفتوحة، وتؤكد فهم واشنطن للقيود الداخلية لكل دولة في المنطقة. في لبنان، يشير هذا إلى تعزيز الدور المدني والسياسي على حساب الهيمنة العسكرية للحزب؛ في سوريا، إلى دمج النظام في مسارات محدودة للتهدئة والإعمار؛ وفي إيران والعراق، إلى ضبط النفوذ الإقليمي مع إبقاء مسارات الحوار مفتوحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى