خاص – بيروت بوست
إذا قُرئ هذا الخطاب، باعتباره وثيقة سياسية لا مجرد خطاب تعبوي، فهو يحمل رسائل تتجاوز إحياء ذكرى حرب تموز، ويشكّل في جوهره إعادة تعريف لموقع حزب الله في المرحلة المقبلة: من الدفاع عن السلاح إلى الدفاع عن دوره السياسي والعسكري، ومن الاعتراض على أداء السلطة إلى التشكيك في شرعية المسار التفاوضي برمّته.
التقدير العام
يمكن اختصار الرسالة الأساسية لقاسم بالمعادلة الآتية: “المقاومة لم تُهزم، الدولة فشلت، إسرائيل لم تلتزم، وأميركا تدير المسار، وبالتالي لا يجوز نقل لبنان من معادلة الردع إلى معادلة التفاوض من موقع الضعف.”
فما ورد ليس مجرد مرافعة عن الماضي، بل محاولة لرسم سقف سياسي جديد أمام الدولة اللبنانية والمفاوضات الجارية. والأهم أن قاسم لا يقول إن حزب الله يرفض الدولة من حيث المبدأ، بل يحاول تقديم نفسه باعتباره حارساً للسيادة التي تعجز الدولة، وفق روايته، عن حمايتها. وهذا فارق سياسي بالغ الأهمية، لأن الحزب يدرك أن معركته المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون حول سؤال: من يملك قرار الحرب والسلم والسيادة؟
1. الرسالة الأولى:
إسقاط رواية “هزيمة المقاومة”، فالجزء المتعلق بحرب تموز 2006 ليس مجرد استذكار تاريخي. قاسم يستخدم الحرب باعتبارها سابقة تأسيسية لإثبات أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
ثم ينتقل إلى حرب 2024 وما بعدها ليبني سردية مشابهة: إسرائيل اغتالت القيادات وضربت القدرات، لكنها لم تحقق الهدف النهائي؛ وبالتالي فإن المقاومة قادرة على امتصاص الضربات والاستمرار.
وهنا تكمن الرسالة الداخلية الأهم: منع تشكل قناعة داخل بيئة الحزب بأن الخسائر التي تعرض لها، ولا سيما على مستوى القيادة والبنية العسكرية، تعني نهاية النموذج الذي مثله الحزب خلال العقدين الماضيين.
بمعنى آخر، الخطاب هو أيضاً خطاب ترميم للردع المعنوي.
2. الانتقال الأخطر: من “السلاح” إلى “السيادة”
اللافت أن قاسم لا يكتفي بالدفاع عن سلاح الحزب، بل يعيد صياغة المعركة على أساس مفهوم السيادة.
فهو يستخدم مجموعة مفردات شديدة الدلالة:
السيادة، كرامة الجيش، الأراضي المحتلة، الانتهاكات الإسرائيلية، رفض الوصاية الأميركية، رفض التحقيق في انتشار الجيش، رفض التفاوض المباشر،رفض إعطاء إسرائيل ضمانات، رفض التخلي عن حق مقاضاة إسرائيل.
مفردات تعني أن الحزب يحاول سحب النقاش من سؤال “لماذا يحتفظ حزب الله بسلاحه؟” إلى سؤال “هل تستطيع الدولة حماية سيادتها من دون المقاومة؟”
وهذا تغيير ذكي في طبيعة المعركة السياسية.
فبدلاً من أن يبقى الحزب في موقع المدافع عن نفسه، يريد وضع السلطة في موقع المدافع عن خياراتها.
3. الرسالة الأخطر للسلطة اللبنانية
عبارة قاسم: “على السلطة أن تعترف أنها فشلت”
ليست مجرد انتقاد، فهي عملياً إعلان سحب ثقة سياسية وأخلاقية من المسار الذي تسلكه السلطة.
الأخطر أنه يربط بين ملفات مختلفة:
المفاوضات + السيادة + الاقتصاد + التعيينات + القضاء + الكهرباء + أموال المودعين + الفساد.
وهذا يعني أن الحزب لا يريد أن تبقى المواجهة محصورة في الملف الجنوبي، بل يريد تحويلها إلى معركة شاملة حول أداء العهد والحكومة والسلطة السياسية.
هنا يمكن أن نكون أمام بداية انتقال الخطاب من:
“نختلف مع السلطة في ملف السلاح”، إلى:”هذه السلطة فشلت في إدارة الدولة، وبالتالي لا يحق لها أن تحدد وحدها مستقبل لبنان.” وهذا أكثر خطورة سياسياً.
4. “اتفاق الإطار” هو الهدف المركزي للخطاب
أبرز ما في كلام قاسم أن المشكلة، بحسب روايته، لم تعد فقط في إسرائيل، بل في آلية التفاوض اللبنانية نفسها.فهو يرفض ثلاثة أمور دفعة واحدة:
أ ـ التفاوض المباشر، لأنه يعتبر أن مجرد الجلوس مع إسرائيل يمنحها شرعية أو تنازلاً مجانياً.
ب ـ آلية التحقق، لأنها، وفق توصيفه، قد تتحول من آلية تقنية إلى آلية إشراف على الجيش اللبناني.
ج ـ المناطق التجريبية، وهنا يستخدم قاسم لغة شديدة التصعيد، لأنه يعتبر أن تحويل مناطق لبنانية محررة إلى “مناطق تجريبية” يعني عملياً الاعتراف بحق إسرائيل في تحديد أين يستطيع الجيش اللبناني الانتشار.
فإذا استمر هذا الخطاب، فمن المرجح أن تصبح آلية التحقق والمناطق التجريبية تحديداً نقطة اشتباك سياسية وإعلامية كبيرة في المرحلة المقبلة.
5. الرسالة إلى الجيش اللبناني
هذه ربما من أكثر النقاط حساسية.
فقد تجنب قاسم مهاجمة الجيش كمؤسسة، بل يفعل العكس تماماً: يدافع عن كرامته وسيادته. وهذه محاولة واضحة لفصل الجيش عن السلطة السياسية.
بمعنى: الجيش محترم، لكن القيادة السياسية هي التي تضعه في موقع الإذعان.
هذه الصيغة تسمح لحزب الله بالقول إنه لا يواجه الجيش اللبناني، وإنما يعارض ما تعتبره القيادة السياسية قيوداً مفروضة على الجيش من الخارج.
لكنها في الوقت نفسه تضع الدولة أمام معضلة شديدة الحساسية، لأن أي خلاف حول آلية انتشار الجيش أو التحقق يمكن أن يتحول إلى نقاش حول من يملك القرار العسكري السيادي.
6. أخطر فقرة: “اختزنوا الغضب”، عبارة لا ينبغي التعامل معها كجملة عابرة.
فعندما يقول قاسم لبيئة المقاومة: “اختزنوا هذا الغضب في صدوركم وتهيأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحين”، فهو يرسل رسالتين في آن واحد:
الأولى: لا يريد انفجاراً داخلياً فورياً.
الثانية: يريد إبقاء إمكانية الضغط الشعبي والسياسي مفتوحة إذا وصلت المواجهة مع السلطة إلى نقطة يعتبرها الحزب خطاً أحمر.
هذا يعني أن الحزب، في المرحلة الحالية، يبدو أنه يفضل الضغط السياسي والشعبي على الصدام الداخلي المباشر.
لكن الرسالة تحمل في المقابل عنصر ردع للسلطة:
لا تفسروا صمت جمهور المقاومة أو التزامه بالتهدئة على أنه قبول دائم بالأمر الواقع. وهذه ربما أقوى رسالة داخلية في الخطاب كله.
7. ماذا يريد حزب الله فعلياً؟
من خلال النص، يمكن استخلاص خمسة مطالب استراتيجية:
– وقف أو تعديل مسار التفاوض الحالي.
– رفض أي صيغة تمنح إسرائيل دوراً رقابياً مباشراً على الجيش اللبناني.
– إبقاء اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 سقفاً مرجعياً للتعامل مع الجنوب.
– تحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الاحتلال والخروقات بدلاً من تحميل المقاومة مسؤولية الأزمة.
– إعادة تثبيت المقاومة كجزء من معادلة السيادة اللبنانية، وليس كقوة مسلحة خارج الدولة فقط.
هذا يعني أن الحزب لا يبدو، وفق الخطاب، مستعداً في هذه المرحلة للانتقال ببساطة إلى صيغة:
الدولة تحتكر القوة → المقاومة تسلّم سلاحها → الجيش يتولى الجنوب → التفاوض ينهي النزاع.
بل يريد صيغة مختلفة:
الدولة + الجيش + المقاومة + أوراق القوة اللبنانية = التفاوض من موقع قوة.
8. لكن هناك مشكلة استراتيجية في خطاب الشيخ قاسم، فمن زاوية تحليلية بحتة، الخطاب يحمل تناقضاً واضحاً.
فالحزب يقول من جهة إنه يريد حماية السيادة اللبنانية، لكنه من جهة أخرى يتمسك بمقاومة مسلحة خارج القرار العسكري للدولة.
هذا يعطي خصومه السياسيين مادة قوية للقول:
كيف يمكن بناء دولة ذات سيادة كاملة بوجود قرار عسكري موازٍ لقرار الدولة؟
وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في الرواية السياسية للحزب. فكلما ارتفع شعار السيادة، سيعود السؤال تلقائياً:من يقرر الحرب والسلم؟
سؤال الذي سيبقى أصعب سؤال سياسي أمام الحزب في المرحلة المقبلة.
9. الرسالة الإقليمية
هناك أيضاً رسالة موجهة إلى الخارج، وتحديداً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالشيخ قاسم يريد القول إن: الضغط العسكري لا يؤدي تلقائياً إلى استسلام حزب الله.
امر مهم جداً في الحسابات الإسرائيلية والأميركية، لأن الخطاب يعلن بوضوح أن الحزب لا يرى نفسه في مرحلة “ما بعد المقاومة”، بل في مرحلة إعادة بناء القدرة والردع وإعادة تنظيم البيئة السياسية والشعبية.
كما أن ربطه بين لبنان وإيران في أكثر من موضع يعني أن الحزب لا يريد فصل الساحة اللبنانية كلياً عن البيئة الإقليمية.
لكن في الوقت نفسه، فإن وصف المقاومة بأنها “دفاعية” يشكل محاولة لتثبيت شرعية الرد العسكري ضمن إطار الدفاع عن لبنان وليس باعتباره مشروعاً إقليمياً عابراً للحدود.
10. هل الخطاب يمهّد لتصعيد داخلي؟
ليس بالضرورة لتصعيد عسكري داخلي، لكنه بالتأكيد يمهّد لتصعيد سياسي. وهنا يجب التفريق.
الخطاب لا يبدو وكأنه دعوة مباشرة إلى مواجهة أهلية أو صدام مع الجيش أو القوى السياسية،
بل هو أقرب إلى رفع سقف التحذير قبل الانتقال إلى مرحلة ضغط سياسي وشعبي أكبر.
فالعبارة المتعلقة بـ”الغضب” هي أداة ردع أكثر منها قراراً بالتصعيد.
لكن إذا شعرت قيادة الحزب بأن السلطة تنتقل من التفاوض إلى خطوات عملية تؤثر مباشرة في بنيته العسكرية أو بيئته أو قدرته على الحركة، فقد ينتقل الخطاب من الاعتراض السياسي إلى المواجهة السياسية المفتوحة.
11. السيناريوهات المقبلة:
– السيناريو الأول: احتواء سياسي
تتراجع حدة التفاوض، وتعيد السلطة التأكيد على سيادة لبنان ورفض أي إشراف مباشر على الجيش، فتخف حدة خطاب الحزب. هذا هو السيناريو الأكثر استقراراً.
– السيناريو الثاني: استمرار المفاوضات مع تعديلات تقنية
حيث تستمر المفاوضات لكن يجري تعديل آليات التحقق والمناطق التجريبية بما يمنع ظهورها كآلية إشراف إسرائيلي. هذا قد يسمح للحزب بالبقاء معارضاً للمسار من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
– السيناريو الثالث: تشدد السلطة
إذا أصرت الدولة على تنفيذ ترتيبات يعتبرها الحزب مساساً مباشراً بسلاحه أو بنيته العسكرية، فمن المتوقع أن ترتفع لهجة الحزب وأن تتحول المعارضة من إعلامية وسياسية إلى ضغط شعبي ومؤسساتي أوسع.
– السيناريو الرابع: تصعيد إسرائيلي جديد
وهذا هو السيناريو الأخطر.
أي عملية إسرائيلية واسعة قد تعيد ترتيب كل الحسابات، لأن الحزب سيستفيد منها لتأكيد روايته الأساسية: “قلنا لكم إن المشكلة في إسرائيل وليست في المقاومة”، وحينها يمكن أن يزداد الضغط على السلطة اللبنانية، لا على الحزب فقط.
الخلاصة الاستراتيجية
يمثل الخطاب، وثيقة انتقال من مرحلة الدفاع عن نتائج الحرب إلى مرحلة الدفاع عن مستقبل المقاومة داخل النظام اللبناني.
فالشيخ قاسم لا يكتفي بالقول إن إسرائيل عدو، بل يقول عملياً إن المشكلة أصبحت في الدولة التي تتفاوض مع هذا العدو من دون امتلاك أوراق قوة كافية.
وبالتالي فإن المعركة المقبلة، إذا استمر هذا المسار، لن تكون فقط، مقاومة ضد إسرائيل، بل ستصبح ثلاثية الأبعاد:
فحزب الله ضد إسرائيل عسكرياً، وحزب الله ضد المسار الأميركي سياسياً،وحزب الله ضد السلطة اللبنانية على تعريف السيادة وآلية حماية الدولة.
والأخطر أن الحزب بدأ يبني رواية سياسية تقول إن أي تنازل لبناني في التفاوض ليس تنازلاً عن سلاح المقاومة فقط، بل تنازل عن السيادة اللبنانية نفسها.
فإذا نجح في تثبيت هذه الرواية شعبياً، فإن ملف السلاح لن يبقى ملفاً أمنياً أو دستورياً، بل سيتحول إلى معركة على تعريف الدولة اللبنانية ذاتها: هل السيادة تُبنى حصراً عبر مؤسسات الدولة، أم عبر تكامل الجيش والشعب والمقاومة؟
هنا تحديداً تكمن المعركة الاستراتيجية الكبرى المقبلة في لبنان.

