خاصأمن وقضاءإقليمياقتصاددوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي |من “المجلس الأعلى” إلى “اللجنة العليا” …. بين الوصاية والشراكة

خاص – بيروت بوست

من الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن الفرق بين المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي نشأ بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991، واللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة التي أُعلن عنها في تموز 2026، ليس مجرد اختلاف في التسمية، بل يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة إدارة العلاقات بين البلدين وفي ميزان القوى الإقليمي.

أولاً: إطار فوق حكومي

أنشئ المجلس الأعلى بعد اتفاق الطائف وفي ظل الوجود العسكري السوري في لبنان، وكان يمثل الإطار السياسي الأعلى للعلاقات بين الدولتين، مستنداً إلى معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق.
تميز المجلس بعدة خصائص:
– كان يستند إلى معاهدة دولية دائمة وليس إلى مجرد اتفاق تنفيذي.
– امتلك صلاحيات واسعة لرسم السياسات العامة للعلاقات الثنائية.
– أشرف على عشرات اللجان الوزارية والأمنية والاقتصادية.
– لعب دوراً في تنسيق السياسات الخارجية والأمنية بين البلدين.
– تحول عملياً إلى مرجعية سياسية تتجاوز في بعض الأحيان عمل الحكومتين.
أما سياسيا، فقد عكس المجلس الأعلى مفهوم “وحدة المسار والمصير” الذي حكم العلاقات اللبنانية – السورية خلال تسعينيات القرن الماضي.

ثانياً: إطار حكومي لا وصائي

أما اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة الجديدة، فتختلف جذرياً في فلسفتها.
فالاتفاقية الجديدة تنطلق من مبادئ واضحة هي:
– احترام سيادة كل دولة.
– المساواة بين الطرفين.
– عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
– الالتزام بالقانون الدولي.
– حسن الجوار.
– معالجة الملفات المشتركة عبر الحكومتين.
أي أنها تقوم على نموذج التعاون بين دولتين مستقلتين، وليس على نموذج التنسيق السياسي العميق الذي كان يميز المجلس الأعلى.

ثالثاً: مقارنة المهام

المجلس الأعلى:
رسم السياسات العامة للعلاقات، تنسيق سياسي وأمني واستراتيجي، يستند إلى معاهدة 1991، مرجعية عليا للعلاقات الثنائية، وينسق المواقف الإقليمية أحياناً.
اللجنة العليا المشتركة:
تنفيذ التعاون الحكومي، تنسيق إداري وتنفيذي، اتفاقية تعاون جديدة، منصة حكومية مشتركة، يعالج الملفات الثنائية فقط.

رابعاً: الفرق في الدور

المجلس الأعلى:
كان يؤدي دوراً استراتيجياً يقوم على:
إدارة العلاقة السياسية، متابعة الملفات الأمنية، تنسيق المواقف الإقليمية، الإشراف على العلاقات الاقتصادية، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات.
بمعنى آخر، كان يشكل “مظلة سياسية” للعلاقة اللبنانية السورية.
اللجنة العليا:
أما اللجنة الجديدة فتؤدي دوراً مختلفاً يقوم على:
متابعة تنفيذ الاتفاقيات، تسهيل التعاون الوزاري، حل المشكلات الحدودية، إدارة ملفات النقل والطاقة والتجارة، وتطوير العلاقات الاقتصادية والإدارية.
أي أنها أقرب إلى نموذج اللجان الحكومية المشتركة الموجودة بين كثير من الدول العربية.

خامساً: الفرق في الأهداف

المجلس الأعلى:
بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، توحيد الرؤى السياسية، تعزيز التنسيق الأمني، وتكريس معادلة “العلاقات الخاصة”.
اللجنة العليا
تطوير العلاقات الثنائية، تنظيم التعاون القطاعي، حل المشكلات العملية، تعزيز التنمية الاقتصادية، واحترام استقلالية القرار الوطني لكل دولة.

سادساً: الدلالة السياسية

سياسياً، يمثل الانتقال من المجلس الأعلى إلى اللجنة العليا انتقالاً من نموذج العلاقة الاستثنائية إلى نموذج العلاقة الطبيعية بين دولتين.
فالمجلس الأعلى كان مرتبطاً بمرحلة إقليمية اتسمت بنفوذ سوري واسع في لبنان، بينما تأتي اللجنة العليا في سياق إقليمي مختلف، وبعد تغيرات كبرى في سوريا ولبنان، لتؤكد مبادئ السيادة المتبادلة وعدم التدخل.

سابعاً: القراءة الاستراتيجية

يمكن تلخيص التحول في أربع نقاط رئيسية:
– الانتقال من العلاقة السياسية الخاصة إلى العلاقة المؤسساتية.
– الانتقال من التنسيق الاستراتيجي إلى التعاون التنفيذي.
– الانتقال من معادلة وحدة المسار إلى معادلة احترام السيادة.
– الانتقال من مؤسسة ارتبطت بمرحلة ما بعد الطائف إلى آلية تتلاءم مع الواقع السياسي الجديد في البلدين.

ثامنا: تقدير موقف

إذا طُبّقت الاتفاقية الجديدة وفق نصوصها، فإن اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة لا تبدو بديلاً شكلياً للمجلس الأعلى، بل تمثل إعادة تأسيس للعلاقة بين بيروت ودمشق على أسس قانونية وسياسية مختلفة.
فهي تستبدل مفهوم “العلاقات الخاصة” الذي طبع مرحلة ما بعد عام 1991 بمفهوم “الشراكة بين دولتين ذات سيادة”، وتحوّل مركز الثقل من التنسيق السياسي والأمني الواسع إلى إدارة المصالح المشتركة عبر الحكومتين، بما ينسجم مع التحولات الداخلية في سوريا ولبنان ومع البيئة الإقليمية والدولية الراهنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى