خاص – بيروت بوست
رسالة قاسم بين تثبيت الردع وإعادة التموضع السياسي
اكتسبت كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أهمية استثنائية، امس، لأنها تأتي عند تقاطع أربعة متغيرات استراتيجية كبرى:
– الاتفاق الأميركي – الإيراني الذي أعاد رسم قواعد الاشتباك الإقليمي.
– استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في لبنان.
– تصاعد الضغوط الدولية لنزع عناصر القوة العسكرية للحزب.
– الحديث عن عودة قنوات التواصل بين الحزب ورئيس الجمهورية بعد أشهر من التوتر السياسي.
من هذا المنطلق، لا تبدو الكلمة مجرد خطاب عاشورائي عقائدي، بل أقرب إلى “وثيقة” تحدد كيفية رؤية الحزب للمرحلة المقبلة.
أولاً: البيئة الاستراتيجية تغيّرت
أبرز ما يلفت في الخطاب هو أن الشيخ قاسم يتحدث عن “أخطر مرحلة في حياة المقاومة”، وهو توصيف نادر مقارنة بخطابات السنوات الماضية.
هذا التوصيف يعكس إدراكاً داخل الحزب بأن:
– الاتفاق الأميركي – الإيراني خفّف احتمالات الحرب الإقليمية الشاملة.
– طهران باتت تفضّل إدارة نفوذها بأدوات سياسية وأمنية أكثر من المواجهة المفتوحة.
– إسرائيل تحاول استثمار التفاهم الأميركي – الإيراني لإعادة ترتيب الجبهة اللبنانية لمصلحتها.
– البيئة الدولية لم تعد تتسامح مع وجود جبهة عسكرية مستقلة خارج إطار الدولة اللبنانية.
لذلك فإن الحزب يجد نفسه أمام تحدٍّ مختلف عن تحديات 2006 أو حتى 2024 – 2025.
ثانياً: إعادة تعريف النصر
خصص الجزء الأكبر من الخطاب لتعريف مفهوم “النصر”. وهذا ليس تفصيلاً عقائدياً فقط.
فعندما يكرر الشيخ قاسم أن “النصر هو الثبات والاستمرار”، فهو يحاول نقل النقاش من معيار الربح والخسارة العسكرية إلى معيار البقاء السياسي والتنظيمي. وهذا يعكس حقيقة أساسية، مفادها أن
الحزب يدرك أن الحرب الأخيرة ألحقت به خسائر كبيرة على المستويات: العسكرية، اللوجستية، الاقتصادية، البشرية.
لذلك يجري الانتقال من سردية “الانتصار العسكري” إلى سردية “منع الهزيمة الاستراتيجية”، أي ان الهدف الحالي لم يعد إثبات أنه انتصر على إسرائيل، بل إثبات أن إسرائيل فشلت في إنهاء الحزب.
ثالثاً: الردع لم يسقط
اللافت أن الامين العام أعلن بوضوح: “لا عودة إلى ما قبل 2 آذار”، وهي عبارة تحمل دلالة عملياتية مهمة، حيث يريد الحزب القول إن:
– مرحلة ضبط النفس السابقة انتهت.
– قواعد الاشتباك الجديدة مختلفة.
– استمرار الاعتداءات الإسرائيلية سيقابله استمرار العمل المقاوم بأشكال مختلفة.
لكن في المقابل، لم تتضمن الكلمة أي إعلان عن حرب شاملة، وهذا يعني أن الحزب لا يريد توسيع الحرب، بل يريد إدارة استنزاف طويل يمنع إسرائيل من فرض وقائع نهائية.
رابعاً: مع الدولة اللبنانية وليس ضدها
رغم الهجوم الحاد على ما وصفه بالمشروع الأميركي، فإن قسماً مهماً من الخطاب حمل إشارات غير مباشرة إلى الدولة اللبنانية. فهو أكد:
– الالتزام باتفاق الطائف.
– الالتزام بالدستور.
– التعاون مع المكونات اللبنانية.
– رفض الفتنة بين الجيش والمقاومة.
عبارات ليست عابرة، في ظل الحديث عن عودة التواصل بين الحزب ورئيس الجمهورية، يمكن قراءة هذه الرسائل باعتبارها محاولة لفتح مساحة تفاهم جديدة. فالحزب يدرك أن المرحلة المقبلة لن تُحسم عسكرياً فقط، بل عبر التفاوض السياسي الداخلي.
ولهذا فهو يبعث برسالة مفادها: “نحن مستعدون للنقاش حول مستقبل لبنان، لكننا لسنا مستعدين للاستسلام.”
خامساً: تحييد بعبدا؟
من أهم المؤشرات السياسية في الخطاب أن الشيخ نعيم قاسم هاجم الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الداخلية، لكنه تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع رئيس الجمهورية. وهذا يحمل دلالات مهمة:
– وجود وساطات داخلية قائمة.
– رغبة الحزب في إبقاء باب التفاهم مفتوحاً مع الرئاسة.
– إدراك الحزب أن أي صدام مع رئيس الجمهورية سيؤدي إلى عزله داخلياً ودولياً.
في المقابل، يبدو أن رئيس الجمهورية أيضاً يسعى إلى إدارة الملف من خلال مبدأ أن “الدولة تفاوض عن نفسها ولا تدخل في مواجهة أهلية مع حزب الله.” وهذا ما يفسر استمرار قنوات الاتصال رغم الخلافات.
سادساً: ماذا تعني الإشارة إلى سوريا؟
من أخطر المقاطع حديثه عن ضغوط أميركية على دمشق للتدخل من الشرق ضد الحزب. فسواء كانت هذه القراءة دقيقة أم لا، فإن إدراجها في الخطاب يحمل رسالة سياسية واضحة: الحزب يريد تثبيت معادلة أن الرئيس السوري أحمد الشرع رفض الانخراط في أي مواجهة مع المقاومة.
وهذا ينسجم مع المؤشرات الإقليمية التي تفيد بأن دمشق الحالية تركز على تثبيت السلطة وإعادة بناء الدولة أكثر مما تركز على الدخول في صراعات إقليمية جديدة.
سابعاً: ماذا يقول الاتفاق الأميركي – الإيراني عن لبنان؟
إذا وضعنا الخطاب في سياق الاتفاق الأميركي – الإيراني، تظهر معادلة دقيقة:
– واشنطن لا تريد حرباً إقليمية جديدة.
– طهران لا تريد خسارة التفاهم مع واشنطن.
– إسرائيل تريد استكمال الضغط على حزب الله.
– الحزب يريد الحفاظ على دوره وقوته الردعية.
لذلك يبدو لبنان اليوم ساحة تفاوض أكثر منه ساحة حرب شاملة. ومن هنا يمكن فهم سبب تركيز قاسم على “الصبر الطويل” و”النفس الطويل” و”المواجهة الممتدة”.
ثامنا: الخلاصة
تكشف كلمة الشيخ نعيم قاسم أن حزب الله دخل مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع لا حسمه.
فالخطاب لا يوحي بالتحضير لحرب كبرى، كما لا يوحي بالقبول بشروط إسرائيل أو الضغوط الدولية. بل يعكس محاولة لإعادة إنتاج معادلة تقوم على ثلاثة عناصر متوازية:
– المحافظة على شرعية المقاومة داخل بيئتها.
– تجنب الصدام المباشر مع الدولة اللبنانية ورئاسة الجمهورية.
– الاستعداد لمواجهة استنزاف طويلة مع إسرائيل إلى حين تغير التوازنات الإقليمية.
لذلك يمكن القول إن الرسالة الأبرز في الكلمة هي أن الحزب يعتبر أن الاتفاق الأميركي – الإيراني لم ينهِ الصراع في لبنان، لكنه نقل المواجهة من مرحلة الحروب الكبرى إلى مرحلة الصراع السياسي والأمني طويل الأمد، حيث يصبح التفاوض الداخلي بين حزب الله والرئيس جوزاف عون جزءاً أساسياً من معركة تحديد مستقبل لبنان في السنوات المقبلة.

