خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | ترامب بين التهديد والاحتواء…. ضربة أميركية ضد حزب الله؟

خاص – بيروت بوست

أثار كلام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول رغبته في أن تشن إسرائيل هجوماً “دقيقاً” على حزب الله، مع الإشارة إلى إمكانية مشاركة واشنطن في الدعم أو حتى إسناد المهمة إلى سوريا، جملة من الأسئلة الاستراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر لتلامس طبيعة التوازنات الجديدة التي تتشكل في المشرق بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتحولات التي شهدتها سوريا، ومحاولات الإدارة الأميركية إعادة هندسة البيئة الأمنية الإقليمية.

أولاً: الرسالة تتجاوز البعد العسكري

في القراءة الجيوسياسية، لا يمكن التعامل مع هذا النوع من التصريحات باعتباره مجرد تهديد ميداني. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة مع حزب الله تحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي، وعلى التفاهمات التي تعمل واشنطن على تثبيتها بين لبنان وإسرائيل.

لذلك، يبدو أن الهدف الأساسي من هذا الخطاب هو ممارسة ضغط سياسي ونفسي على الحزب وعلى بيئته الحاضنة، وإيصال رسالة مفادها أن هامش الحركة الذي تمتع به خلال العقود الماضية يتعرض لتضييق متزايد، وأن الولايات المتحدة باتت تمتلك خيارات متعددة للتعامل معه، سواء عبر إسرائيل أو عبر ترتيبات إقليمية جديدة.

ثانياً: لماذا الحديث عن “ضربة دقيقة”؟

استخدام تعبير “هجوم دقيق” ليس تفصيلاً لغوياً. فالولايات المتحدة تعلم أن الحرب الشاملة لم تعد خياراً مفضلاً بعد التجارب السابقة، فيما أصبحت العمليات المحدودة والجراحية أداة مفضلة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

هذا يعني أن الحديث قد يكون مرتبطاً بأحد ثلاثة سيناريوهات:
– استهداف بنى عسكرية أو لوجستية محددة.
– ضرب شخصيات قيادية أو كوادر نوعية.
– توجيه رسائل ردعية تمنع الحزب من إعادة بناء قدراته في الجنوب أو في مناطق أخرى.

وبالتالي فإن المقصود ليس بالضرورة حرباً واسعة، بل فرض قواعد اشتباك جديدة تمنع الحزب من استعادة ما خسره خلال المواجهات الأخيرة.

ثالثاً: لماذا أُدخلت سوريا في المعادلة؟

يتمثل الشق الأكثر إثارة في التصريح في الإشارة إلى إمكانية أن تقوم سوريا نفسها بهذه المهمة.
هذا الطرح يعكس تحولات عميقة في النظرة الأميركية إلى المشهد السوري.

فإذا كانت واشنطن في السابق تنظر إلى دمشق كجزء من محور داعم لحزب الله، فإن الحديث عن دور سوري محتمل ضد الحزب يوحي بوجود رهان أميركي على إعادة تموضع سوريا ضمن توازنات إقليمية مختلفة.

فمن منظور استراتيجي، فإن إدخال سوريا في المعادلة يحمل ثلاثة أهداف:
– إظهار أن البيئة الإقليمية المحيطة بحزب الله لم تعد متماسكة كما كانت.
– تشجيع القوى الإقليمية على الانخراط في مشروع احتواء نفوذ الحزب.
– توجيه رسالة إلى لبنان بأن الضغوط لم تعد محصورة بالجبهة الإسرائيلية.

رابعاً: ماذا تريد واشنطن فعلياً؟

لا يبدو الهدف الأميركي الأبعد مرتبطاً بضربة عسكرية بحد ذاتها، بل بإعادة رسم الخريطة الأمنية في لبنان. فالولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:
– تثبيت احتكار الدولة اللبنانية للسلاح.
– تأمين الحدود الجنوبية وفق ترتيبات أمنية جديدة.
– تقليص قدرة إيران على استخدام الساحة اللبنانية كورقة نفوذ إقليمية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم التصريح باعتباره جزءاً من استراتيجية الضغط المتدرج لدفع الأطراف اللبنانية نحو خيارات سياسية وأمنية تتوافق مع الرؤية الأميركية للمنطقة.

خامساً: كيف يمكن أن يتعامل حزب الله مع هذه الرسائل؟

من المرجح أن ينظر الحزب إلى هذا النوع من التصريحات بوصفه جزءاً من الحرب النفسية والسياسية أكثر منه إعلاناً عن قرار عسكري وشيك.
لكن الحزب يدرك في الوقت نفسه أن البيئة الاستراتيجية المحيطة به تشهد تغيرات متسارعة، وأن الضغوط الدولية والإقليمية تتجه نحو تضييق مساحة المناورة أمامه، سواء عبر المسار الأمني أو عبر المسارات السياسية والاقتصادية.

لذلك فإن التحدي الأساسي أمام الحزب لا يكمن فقط في مواجهة التهديدات العسكرية، بل في كيفية التكيف مع مرحلة إقليمية جديدة تسعى فيها واشنطن إلى تحويل موازين القوى الميدانية إلى وقائع سياسية دائمة.

سادسا: تقدير موقف

إذا تحول كلام ترامب الى أفعال، فإنه لا يشكل إعلان حرب بقدر ما يعكس توجهاً أميركياً نحو رفع مستوى الضغط على حزب الله ضمن إطار إعادة ترتيب المشهد الأمني في لبنان والمنطقة. غير أن الحديث عن دور سوري محتمل يكشف أيضاً حجم التحولات الجارية في الإقليم، حيث تحاول واشنطن بناء شبكة من التفاهمات والتحالفات الجديدة تجعل من احتواء الحزب هدفاً مشتركاً لعدد متزايد من اللاعبين الإقليميين.

عليه، فإن قيمة التصريح لا تكمن في احتمالات تنفيذه العسكرية المباشرة، بل في كونه مؤشراً إلى طبيعة المرحلة المقبلة: مرحلة انتقال الصراع من ساحات المواجهة التقليدية إلى معركة إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المشرق، حيث يصبح مستقبل حزب الله جزءاً من عملية إعادة هندسة إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة بالتنسيق مع حلفائها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى