تقدير موقف استراتيجي | قراءة في مسودة اتفاق نوايا بين واشنطن وطهران
خاص – بيروت بوست
وفقًا لبنود المسودة المتداولة، لا يمكن الحديث عن “منتصر مطلق” و”مهزوم مطلق”، بل عن تسوية اضطرارية متبادلة فرضها ميزان الاستنزاف الإقليمي والدولي. لكن إذا جرى تقييم البنود بمنطق المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا:
أولًا: ماذا ربحت واشنطن؟
1. احتواء التصعيد دون حرب شاملة:
الولايات المتحدة تحقق هدفًا أساسيًا يتمثل في:
– منع انفجار إقليمي واسع.
– حماية أمن إسرائيل دون الانجرار إلى حرب مباشرة مع إيران.
– إعادة ضبط الجبهات، خصوصًا لبنان والبحر الأحمر والخليج.
هذا يعني أن واشنطن نجحت في:
– كبح “وحدة الساحات”.
– إعادة الإمساك بإيقاع المنطقة أمنيًا.
– منع طهران من استخدام أوراق الضغط العسكرية المفتوحة.
2. أمن الطاقة والملاحة
إعادة الملاحة في مضيق هرمز خلال 30 يومًا تمثل:
– انتصارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا للولايات المتحدة وحلفائها.
– حماية لسوق الطاقة العالمي.
– تقليص قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ابتزاز جيوسياسي.
هنا تكون واشنطن قد فرضت عمليًا:
– اعترافًا إيرانيًا ضمنيًا بقواعد الأمن البحري الدولي.
– تراجعًا عن سياسة حافة الهاوية في الخليج.
3. تجميد البرنامج النووي لا إنهاؤه
واشنطن تدرك أن وقف المشروع النووي الإيراني بالكامل لم يعد واقعيًا، لذلك انتقلت إلى:
– استراتيجية الاحتواء والمراقبة.
– شراء الوقت.
– منع التحول السريع نحو السلاح النووي.
أي أن أميركا ربحت:
– إبطاء التخصيب.
– إعادة الملف إلى طاولة الرقابة والتفاوض.
– منع الانفجار العسكري.
4. العقوبات بقيت أداة ضغط
المسودة لا تتحدث عن رفع كامل للعقوبات بل:
– تخفيف تدريجي.
– مشروطية التنفيذ.
– ربط كل خطوة بسلوك إيران.
وهذا يعني أن واشنطن لم تتخلَّ عن سلاح العقوبات، بل حوّلته إلى آلية ابتزاز سياسي مستمرة.
ثانيًا: ماذا ربحت طهران؟
1. الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها
هذه أهم نقطة استراتيجية لإيران.
فالولايات المتحدة:
– تفاوضت معها مباشرة.
– ربطت استقرار المنطقة بالتفاهم معها.
– تعاملت معها كصاحبة نفوذ فعلي في لبنان والخليج.
وهذا بحد ذاته مكسب جيوسياسي كبير لطهران.
2. كسر جزئي للعقوبات
حتى التخفيف المحدود يعني:
– عودة تدريجية للنفط الإيراني للأسواق.
– ضخ عملات صعبة.
– تخفيف الاختناق الاقتصادي الداخلي.
– دعم استقرار النظام الإيراني.
الأهم أن إيران حصلت على:
– مبدأ تخفيف العقوبات.
– ليس مجرد وعود سياسية.
3. تحرير جزء من الأموال المجمدة
هذا يمنح طهران:
– سيولة مالية عاجلة.
– قدرة على امتصاص الضغوط الاجتماعية.
– هامشًا اقتصاديًا داخليًا أكبر.
4. الحفاظ على البرنامج النووي
المسودة لا تتحدث عن:
– تفكيك البرنامج.
– وقف التخصيب بالكامل.
– إنهاء البنية النووية.
بل عن:
– تفاوض إضافي لمدة 60 يومًا.
– تفاهمات طويلة الأمد.
أي أن إيران نجحت في:
– تثبيت مبدأ بقاء البرنامج النووي.
– تحويله إلى ورقة تفاوض شرعية.
– انتزاع اعتراف أميركي ضمني بأن “صفر تخصيب” انتهى عمليًا.
ثالثًا: من الرابح الأكبر؟
تكتيكيًا: واشنطن
لأنها:
– أوقفت التصعيد.
– حمت الملاحة.
– منعت الحرب.
– أبقت العقوبات.
– ضبطت الإيقاع الإقليمي.
بمعنى آخر، أميركا ربحت إدارة الأزمة.
استراتيجيًا: طهران
لأنها:
– صمدت تحت العقوبات.
– فرضت نفسها شريكًا تفاوضيًا إلزاميًا.
– حافظت على مشروعها النووي.
– حصلت على تخفيف اقتصادي دون تقديم تنازل جذري.
وهنا تكمن المفارقة: واشنطن ربحت “الهدوء”، لكن طهران ربحت “الاعتراف”.
رابعًا: من الخاسر المحتمل؟
إسرائيل
إذا صحت هذه البنود، فإن تل أبيب قد تعتبر نفسها الخاسر النسبي لأن:
– الاتفاق لا ينهي البرنامج النووي الإيراني.
– لا يتضمن تفكيك محور إيران الإقليمي.
– يجمّد المواجهة بدل حسمها.
– يخفف الضغط الاقتصادي عن طهران.
لذلك قد تنظر إسرائيل إلى الاتفاق باعتباره، نسخة معدلة من سياسة الاحتواء التي تعارضها منذ عهد باراك أوباما.
بعض حلفاء واشنطن الإقليميين
خصوصًا القوى التي كانت تراهن على:
– إسقاط النظام الإيراني اقتصاديًا.
– دفع واشنطن نحو مواجهة عسكرية حاسمة.
فهؤلاء سيعتبرون أن: أميركا اتجهت نحو “التعايش المنظم” مع إيران بدل المواجهة.
خامسا: الخلاصة الجيوستراتيجية
تعكس هذه المسودة انتقال المنطقة من:
– مرحلة “كسر الإرادات” إلى مرحلة “تنظيم الاشتباك”
فالطرفان توصلا إلى قناعة بأن:
– الحرب الشاملة مكلفة جدًا.
– الاستنزاف المفتوح يهدد الجميع.
– التسوية المؤقتة أفضل من الانفجار الكبير.
لذلك يمكن تلخيص المشهد بالمعادلة التالية:
– واشنطن ربحت الاستقرار المرحلي.
– طهران ربحت الشرعية الجيوسياسية.
– إسرائيل تخشى تثبيت إيران كقوة نووية عتبة.
– المنطقة تدخل مرحلة هدنة باردة لا سلام دائم.


