خاص – بيروت بوست
رسمت رسالة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أبعادًا تتجاوز التعبئة العقائدية التقليدية، ملامح المرحلة المقبلة في الصراع مع إسرائيل، محددة في الوقت نفسه موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية. فالرسالة المرسومة بعناية بين التعبئة النفسية، الردع العسكري، تثبيت الشرعية الداخلية، ورسم الخطوط الحمراء السياسية.
أولًا: البعد العسكري – النفسي
افتتح الشيخ قاسم خطابه بوصف القدرات العسكرية: المسيّرات، الصواريخ، والعمل الميداني، حيث لفت عدم تركيزه على “الإنجازات الميدانية” بقدر تركيزه على “الأثر النفسي” داخل إسرائيل:
“تُرعب”، “تُزلزل حياتهم”، “يعيشون القلق والأزمات النفسية”. عبارات تكشف أن الحزب يعتبر الحرب الحالية حرب استنزاف نفسي وإرادات، لا حرب حسم تقليدي.
فالرسالة هنا موجهة إلى الداخل الإسرائيلي أكثر مما هي إلى المقاتلين أنفسهم: “الجبهة الشمالية لم تعد مجرد تهديد أمني، بل عبء نفسي واستراتيجي دائم”.
في المقابل، يرفع الخطاب المعنويات داخل بيئته عبر فكرة “الخلود العقائدي”: إما النصر، أو الشهادة بوصفها استمرارًا للحياة.
وهذا النوع من الخطاب يعني أن الحزب يستعد ذهنيًا ومجتمعيًا لحرب طويلة ومكلفة.
ثانيًا: إعادة إنتاج “أسطورة الصمود”
حين يقول: “قالوا انتهيتم وستخسرون… ولكن سطع جهادكم أسطورة الصمود”، حيث يرد على سردية إسرائيلية – دولية تقول إن الحزب تعرض لضربات استراتيجية أفقدته التوازن.
الرسالة هنا ليست عسكرية فقط، بل إعلامية وسياسية: الحزب ما زال متماسكًا، بنيته القيادية لم تنهَر، وقدرته التعبوية ما زالت قائمة. بل إن السؤال: “ما هو عددكم الذي لا ينتهي؟”
كلام يحمل رسالة ردعية واضحة مفادها أن إسرائيل تواجه تنظيمًا قادرًا على إعادة إنتاج قوته البشرية والعسكرية باستمرار.
ثالثًا: توحيد الجغرافيا اللبنانية خلف المقاومة
من أخطر المقاطع سياسيًا حديثه عن: الجنوب،
البقاع، الضاحية، بيروت، الجبل، الشمال، ليس من باب الوصف العاطفي، بل محاولة استراتيجية لإعادة تقديم المقاومة كحالة وطنية لبنانية شاملة، لا كقوة تخص بيئة مذهبية معينة.
هنا يواجه الحزب تحديين:
– الضغوط الداخلية التي تتهمه بتوريط لبنان.
– السردية الإسرائيلية التي تصوّر الحرب كصراع مع “تنظيم شيعي معزول”، من هنا محاولته القول: إن المقاومة ما زالت تمتلك غطاءً وطنيًا عابرًا للمناطق.
رابعًا: تثبيت معادلة “الشرعية الوطنية”
الرسالة تتعمد الربط بين: المقاومة، السيادة، الاستقلال، الدولة.
فعندما يقول: “أنتم السيادة لا الاستعباد”، فهو ينقل الحزب من صورة “تنظيم عسكري” إلى صورة “حركة دفاع وطني”.
هنا تظهر محاولة واضحة لتكريس فكرة أن سلاح الحزب ليس عبئًا على الدولة، بل جزء من عناصر قوتها.
الأهم أنه استشهد بخطاب قسم رئيس الجمهورية حول “الاستراتيجية الدفاعية”.
اقتباس ليس تفصيلًا، بل يحمل رسالتين:
– الحزب لا يريد الظهور بموقع المواجهة مع الرئاسة.
– يريد إدخال سلاحه ضمن مفهوم “الأمن الوطني” لا ضمن مفهوم “الميليشيا”.
خامسًا: الرسالة الأخطر: ربط لبنان بالتفاوض الأميركي – الإيراني
الفقرة الأكثر أهمية استراتيجيًا هي قوله: “الاتفاق الإيراني الأميركي .… الورقة الأقوى لإيقاف العدوان”.
هذا اعتراف سياسي مباشر بأن:
– الجبهة اللبنانية جزء من التفاوض الإقليمي،
– قرار الحرب والتهدئة مرتبط بمسار واشنطن – طهران.
وهنا تكمن الرسالة المزدوجة:
– إلى الأميركيين: إذا أردتم تهدئة الجنوب، فالمفتاح يمر عبر التفاهم مع إيران.
– إلى الداخل اللبناني:الحزب ليس معزولًا، بل جزء من محور إقليمي قادر على فرض شروطه.
لكن في الوقت نفسه، حاول قاسم تخفيف وقع هذا الربط عبر تأكيد أن: “مسؤولية التفاوض من مسؤولية السلطة اللبنانية”، أي أنه يريد الجمع بين:
– الشرعية اللبنانية الرسمية
– الغطاء الإقليمي الإيراني.
سادسًا: رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل
فهو حين يدعو إلى: “الانسحاب من المفاوضات المباشرة”، يرسل ثلاث رسائل:
1. رفض أي مسار تطبيعي
الحزب يعتبر أي تفاوض مباشر مكسبًا سياسيًا لإسرائيل حتى لو لم يصل إلى تطبيع كامل.
2. حماية سردية المقاومة
لأن التفاوض المباشر يتناقض مع العقيدة السياسية للحزب القائمة على عدم الاعتراف بإسرائيل.
3. الضغط على الدولة اللبنانية
إذ يضع سقفًا سياسيًا أمام أي سلطة لبنانية قد تُتهم بتقديم تنازلات مستقبلية.
سابعًا: السلاح خط أحمر
أوضح مقطع في الرسالة هو: “لا علاقة لأحد خارج لبنان بالسلاح والمقاومة”، عبارة هي جوهر الخطاب كله. فالحزب يدرك أن المرحلة المقبلة بعد وقف النار ستشهد ضغوطًا دولية كبيرة تتعلق بـ: جنوب الليطاني، القرار 1701، مستقبل السلاح.
لذلك يحاول منذ الآن تثبيت قاعدة: ملف السلاح شأن داخلي غير قابل للتفاوض الخارجي.
لكن اللافت أنه لم يرفض النقاش الداخلي بالكامل، بل يربطه بـ: استراتيجية أمن وطني، وبعد تحقيق “النقاط الخمس”، أي أن الحزب لا يغلق الباب نهائيًا، لكنه يرفض أي نقاش تحت الضغط العسكري أو الدولي.
ثامنًا: “لن نعود إلى ما قبل 2 آذار”
تحمل هذه العبارة بعدًا استراتيجيًا بالغ الخطورة.
ومعناها أن الحزب يعتبر أن قواعد الاشتباك القديمة انتهت، وأن ما بعد الحرب يجب أن ينتج معادلة جديدة، سواء: ميدانيًا، سياسيًا، أو تفاوضيًا.
أي أنه يرفض العودة إلى “احتواء” الجبهة الشمالية كما كانت قبل التصعيد.
تقدير الموقف الاستراتيجي
يمكن اختصار الرسائل الأساسية للخطاب كالآتي:
– يستعد لمواجهة طويلة لا لحرب خاطفة.
– يريد تثبيت نفسه شريكًا في القرار السيادي اللبناني.
– يربط التهدئة بالتفاوض الأميركي – الإيراني.
– يرفض أي نقاش خارجي حول السلاح.
– يسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل.
– يحاول إعادة إنتاج الشرعية الوطنية للمقاومة بعد مرحلة الاستنزاف.
– يضع سقفًا سياسيًا للدولة اللبنانية كي لا تذهب نحو تفاوض مباشر أو تنازلات استراتيجية.
عليه فان الخطاب ليس مجرد رسالة تعبئة للمقاتلين، بل إعلان سياسي متكامل عن شكل المرحلة المقبلة:
حزب الله يقول إنه لن يقبل بهزيمة عسكرية، ولن يقبل أيضًا بتسوية سياسية تُخرجه من معادلة القوة في لبنان، بل يسعى إلى الانتقال من “قوة مقاومة” إلى “ركن ثابت” في أي نظام أمني لبناني وإقليمي جديد.

