خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف | تنازل أم تكتيك؟ واشنطن تموّل طهران

خاص – بيروت بوست

لا يمكن قراءةما أورده الصحافي باراك رافيد، مراسل موقع Axios، كخبر مالي تقني فحسب، بل يجب وضعه ضمن إطار أوسع من إدارة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً في ظل المواجهة غير المباشرة التي تتخذ أشكالاً عسكرية وأمنية واقتصادية متداخلة، بمشاركة واضحة من إسرائيل.

أولاً: مصداقية الخبر وسياقه

يُعرف الصحافي باراك رافيد بقربه من دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب، لكن ما يُنقل عبره غالباً يعكس “تسريبات تفاوضية” أو رسائل سياسية أكثر منه قرارات نهائية. لذلك، يجب التعامل مع الرقم (14 مليار دولار) كإشارة إلى اتجاه، لا كحقيقة منجزة بالكامل.

ثانياً: لماذا قد تقدم واشنطن على هذه الخطوة؟

رغم الحديث عن “حرب” أو مواجهة مفتوحة، هناك 3 دوافع رئيسية قد تفسر هذا السلوك:
1. إدارة التصعيد وليس الانزلاق إلى حرب شاملة
تدرك واشنطن أن الضغط الأقصى على إيران قد يدفعها إلى ردود غير قابلة للضبط (إغلاق مضيق هرمز، تصعيد إقليمي واسع). لذلك، قد تلجأ إلى “تنفيس اقتصادي” محدود:
– السماح بتدفقات مالية لإيران
– مقابل ضبط سلوكها العسكري أو النووي ضمن سقف معين
هذا ما يُعرف بسياسة العصا والجزرة في آنٍ واحد.
2. الحاجة إلى استقرار سوق الطاقة
في ظل أي توتر إقليمي، أسعار النفط تصبح عاملاً حساساً:
– إدخال النفط الإيراني بشكل غير مباشر إلى السوق
– يخفف الضغط على الأسعار
– يمنع صدمات عالمية قد تضرب الاقتصاد الأميركي نفسه
بمعنى آخر: واشنطن قد تحارب إيران سياسياً، لكنها لا تريد حرب أسعار نفط.
3. قنوات تفاوض غير معلنة
هذا النوع من “التنازل المالي” قد يكون جزءاً من صفقة أوسع غير معلنة:
– تهدئة في جبهات معينة (العراق، سوريا، الخليج)
– قيود مؤقتة على البرنامج النووي
– تبادل رسائل حول قواعد الاشتباك
أي أننا أمام دبلوماسية تحت النار، لا تناقضاً.

ثالثاً: ماذا يعني ذلك لتل أبيب؟

بالنسبة إلى إسرائيل، هذا التطور مقلق لسببين:
– ضخ أموال لإيران يعني تعزيز قدراتها الإقليمية (حلفاء، تسليح، نفوذ)
– يعطي انطباعاً بأن واشنطن لا تريد الحسم، بل الاحتواء
وهذا يعمّق التباين التقليدي:
– إسرائيل تميل إلى الحسم العسكري
– واشنطن تميل إلى إدارة الصراع وتفادي الانفجار الكبير
رابعاً: هل نحن فعلاً في “حرب”؟

التوصيف الأدق هو:
– حرب ظل / حرب منخفضة الحدة
– تشمل ضربات، اغتيالات، سيبرانية، وضغوط اقتصادية، لكنها لم تصل إلى حرب شاملة
وفي هذا النوع من الحروب يمكن أن تتعايش المواجهة مع التفاهمات، الضربات مع الصفقات

خامساً: السيناريوهات المحتملة

احتواء متبادل: استمرار الضغط العسكري مع فتح نوافذ اقتصادية محدودة
صفقة مرحلية: تجميد جزئي للبرنامج النووي مقابل تخفيف عقوبات تدريجي
انفجار مفاجئ: إذا اعتبرت إسرائيل أن هذه التنازلات تمكّن إيران استراتيجياً

سادسا: الخلاصة
ما يبدو “تنازلاً ضخماً” قد يكون في الواقع أداة ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع مع إيران، وليس إنهاءه.
القاعدة هنا بسيطة: في الصراعات الكبرى، المال أحياناً يُستخدم كسلاح تهدئة، لا كدليل ضعف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى