خاصأمن وقضاءإقليمياقتصاددوليسياسةنزاعات وصراعات

هل بدأت الحرب على وليد جنبلاط؟

خاص – بيروت بوست

في المشهد السياسي اللبناني، نادراً ما تكون القرارات الحكومية مجرد قرارات إدارية. فكل تعيين، وكل ملف اقتصادي، وكل موقف سياسي يتحول سريعاً إلى جزء من صراع النفوذ بين القوى التقليدية.

من هنا، يطرح السؤال نفسه: هل بدأت فعلاً مرحلة استهداف سياسي لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، أم أن ما يجري هو نتيجة طبيعية لتحولات في بنية السلطة اللبنانية ومحاولة إعادة توزيع مراكز القوة؟

اللافت في المرحلة الأخيرة أن أكثر من ملف اصطدم بمصالح تاريخية ارتبطت بشكل أو بآخر بنفوذ جنبلاط السياسي. البداية كانت مع موقفه من اتفاق الإطار، والورقة التي قدمها للمجلس المذهبي، حيث اتخذ جنبلاط موقفاً أكثر استقلالية، داعماً مساراً يركز على دور الدولة والمؤسسات، رافضا في الوقت نفسه اتفاق الاطار الثلاثي، في وقت تتقاطع فيه حسابات داخلية وخارجية حول شكل المرحلة المقبلة في لبنان، خصوصاً في ملفات الأمن جنوباً والعلاقة مع القوى الإقليمية.

موقف لم يكن تفصيلاً عابراً، إذ إن البيك لطالما عُرف بقدرته على المناورة السياسية والحفاظ على موقع الوسيط بين القوى المتصارعة. لكن في المرحلة الحالية، يبدو أن هامش الحركة أمامه بات أكثر ضيقاً، خصوصاً مع صعود قوى سياسية جديدة تسعى إلى إعادة رسم التوازنات، وعدم التعامل مع الزعامات التقليدية بالآليات السابقة نفسها.

أما الملف الثاني، والأكثر حساسية اقتصادياً، فهو قرار مجلس الوزراء الذي أنهى عملياً حالة الاحتكار الطويلة لشركة سبلين للترابة، وهو ملف يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي. فقطاع الترابة في لبنان كان لعقود جزءاً من شبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي تشكلت حول الزعامات المحلية. وبالتالي، فإن فتح السوق وكسر الامتيازات القديمة يُقرأ لدى بعض الأوساط على أنه مساس بأحد مظاهر النفوذ الاقتصادي المرتبط بالبيئة الجنبلاطية.

لكن السؤال الأساسي: هل كان القرار موجهاً ضد جنبلاط تحديداً، أم أنه جزء من سياسة حكومية أوسع لكسر الاحتكارات وإعادة تنظيم الاقتصاد؟

الإجابة تقع في المنطقة الرمادية. فمن جهة، هناك رغبة فعلية لدى الحكومة في إظهار أنها مختلفة عن مرحلة المحاصصة التقليدية، وأنها قادرة على اتخاذ قرارات تمس مصالح قوى نافذة. ومن جهة أخرى، فإن توقيت هذه القرارات وطبيعة الملفات التي طاولتها تجعل البعض يعتقد أنها تحمل رسالة سياسية مفادها أن النفوذ التاريخي لم يعد محصناً كما كان.

أما الملف الثالث، المتعلق بتعيين رئيس للهيئة الناظمة للكهرباء خارج الاسم التي كان يُنظر إليه على أنه قريب من المختارة، فيُضاف إلى سلسلة مؤشرات دفعت البعض إلى الحديث عن “محاصرة سياسية” أو تقليص للدور الجنبلاطي داخل مؤسسات الدولة.

فالكهرباء ليست مجرد قطاع خدماتي في لبنان، بل هي أحد أبرز مفاتيح النفوذ منذ عقود، حيث ارتبطت التعيينات والقرارات في هذا القطاع بتوازنات سياسية دقيقة. ولذلك فإن فقدان القدرة على التأثير في هذا الملف يُنظر إليه كخسارة رمزية وسياسية لأي طرف كان يمتلك هامشاً داخله.

مع ذلك، فإن الحديث عن “حرب مفتوحة” على وليد جنبلاط قد يكون مبالغاً فيه. فجنبلاط لا يزال يمتلك عناصر قوة أساسية: موقعه داخل الطائفة الدرزية، شبكة علاقاته الإقليمية والدولية، وخبرة سياسية تمتد لعقود تجعله قادراً على إعادة التموضع عند الضرورة.

لكن الجديد أن مرحلة “الاستثناء الجنبلاطي” التي سمحت له تاريخياً بالحفاظ على نفوذ واسع في مختلف العهود تبدو أمام اختبار حقيقي. فلبنان ما بعد الانهيار المالي والحروب الإقليمية ليس هو لبنان السابق، وهناك محاولة لإعادة بناء قواعد اللعبة على أساس تقليص نفوذ الزعامات التقليدية وإخضاع الجميع لمنطق الدولة والمؤسسات.

في الواقع، لا يبدو أن هناك قراراً معلناً بإسقاط وليد جنبلاط أو استهدافه سياسياً، لكن المؤشرات تدل على وجود مسار لإعادة ضبط حجمه داخل المعادلة اللبنانية. فالمواجهة الحقيقية ليست مع شخص جنبلاط فقط، بل مع نموذج سياسي قائم على تداخل النفوذ السياسي والاقتصادي.

وبالتالي، فإن السؤال الأهم لم يعد: هل تُشن حرب على جنبلاط؟ بل: هل يستطيع جنبلاط إعادة إنتاج دوره في مرحلة لبنانية جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة، أم أن زمن الزعامات التي تملك مفاتيح الاقتصاد والإدارة بدأ بالانحسار؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى