رحل الأب بيار الراعي …. ولم ترحل روحه

خاص – بيروت بوست
رحل الجسد الذي اعتاد أن يقف كل صباح أمام مذبح كنيسة القليعة، رافعًا صلاةً هادئة تشبه خبز القربان: بسيطة، صافية، ومشبعة بمحبة الناس. لكن صوته ما زال يتردد في حجارة الكنيسة، في أجراسها، وفي القلوب التي عرفته أبًا قبل أن تعرفه كاهنًا.
لم يكن الأب بيار مجرد راعٍ لرعية، بل كان قلبًا مفتوحًا على وجع الناس وأفراحهم. كان يعرف طرق القليعة بيتًا بيتًا، ويعرف وجوه أبنائها كما يعرف الراعي خرافه. في كل زيارة، في كل قداس، في كل كلمة عزاء أو رجاء، كان يزرع شيئًا من الطمأنينة في أرضٍ تعبت من القلق والخوف.
كان حضوره يشبه الضوء الصغير الذي لا يطفئ العتمة كلها، لكنه يمنع الليل من أن يبتلع كل شيء.
وحين سقطت القذيفة، لم تصب رجلاً فقط. أصابت ذاكرة قرية كاملة. أصابت صوتًا كان يبارك الأطفال، ويواسي الأمهات، ويصلي من أجل سلامٍ بدا أحيانًا بعيدًا كالحلم.
مات الأب بيار الراعي شهيدًا…
كما يموت الرعاة الحقيقيون: وهم في قلب القطيع، لا في خارجه.
في الحروب، يسقط كثيرون. لكن بعض الذين يسقطون يتركون خلفهم فراغًا لا يشبه أي فراغ آخر. لأنهم لم يكونوا مجرد أسماء، بل كانوا جسورًا بين الناس، وبين الأرض والسماء. والأب بيار كان واحدًا من هؤلاء.
كان يعرف أن طريق الكاهن في هذه البلاد ليس مفروشًا بالهدوء. كان يعرف أن الصلاة هنا تُقال أحيانًا على وقع المدافع. ومع ذلك بقي. لم يغادر. لم يبحث عن مكانٍ أكثر أمانًا. اختار أن يبقى حيث الناس الذين أحبهم، حيث الكنيسة التي حملت اسمه وصلاته وذكرياته.
ولهذا تحديدًا، بدا رحيله قاسيًا إلى هذا الحد.
لكن الشهداء لا يرحلون تمامًا.
يبقون في القصص التي تُروى عنهم، في الدموع التي تُذرف لأجلهم، وفي الإيمان الذي يتركوه في قلوب من عرفوهم.
سيبقى الأب بيار في أجراس كنيسة القليعة حين تقرع مساءً.
سيبقى في المقاعد الخشبية التي صلّى عليها المصلّون خلفه.
سيبقى في الوجوه التي اعتادت أن تسمع منه كلمة رجاء، حتى في أكثر الأيام قسوة.
سيبقى لأن الشهادة ليست نهاية حكاية، بل بداية ذاكرة.
أيها الأب بيار،
يا من عشت كاهنًا بسيطًا، ومضيت شهيدًا بصمت،
ستبقى صورتك مرفوعة في قلوب أهل القليعة كما تُرفع الصلوات نحو السماء.
نم بسلام.
فالقرية التي أحببتها ستظل تذكرك كلما قرعت الأجراس، وكلما وقف كاهنٌ آخر على المذبح نفسه، رافعًا الصلاة التي رفعتها أنت سنوات طويلة.
نم بسلام، أيها الراعي الطيب.
فالذين أحببتهم سيبقون شهودًا على أن المحبة التي زرعتها في هذه الأرض… أقوى من القذائف، وأبقى من الحرب.





