
خاص – بيروت بوست
لا يمكن قراءة الاتفاق اللبناني ـ الأوروبي على إنشاء بعثة أمنية أوروبية بمعزل عن التعثّر الذي يواجه البحث في صيغة دولية بديلة لقوات «اليونيفيل» في الجنوب. فالمسألة لا تتصل فقط بتوفير مظلة أمنية بعد انتهاء مهمة القوات الدولية بصيغتها الحالية، بل تتجاوزها إلى تحديد الجهة التي ستشارك في ضبط الاستقرار، وطبيعة الصلاحيات التي ستُمنح لها، وحدود الدور الأوروبي في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الأميركية على بيروت لربط أي دعم سياسي وعسكري بتقدّم الدولة اللبنانية في ملف حصر السلاح.
في هذا السياق، تكتسب الخطوة الأوروبية دلالتها من توقيتها بقدر ما تكتسبها من مضمونها. فتعذّر التوافق على قوة دولية تحظى بغطاء سياسي واضح وتفويض مقبول من الأطراف المعنية يفتح الباب أمام البحث عن ترتيبات أمنية أكثر مرونة، لكن أقل قدرة بالضرورة على الحلول مكان منظومة دولية متكاملة. وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تشكّل البعثة الأوروبية آلية لسدّ الفراغ المرتقب، أم أنها مدخل إلى صيغة أمنية جديدة تتوزع فيها الأدوار بين الجيش اللبناني وشركائه الأوروبيين، من دون امتلاك صلاحيات القوة الدولية التقليدية؟
من قوة دولية إلى مهمة مساندة: اختلاف في الوظيفة والصلاحيات
المعطيات المعلنة حتى 8 تشرين الأول 2026 تشير إلى أن المهمة الأوروبية المرتقبة ليست قوة قتالية بديلة عن «اليونيفيل»، بل بعثة لتدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتقديم المشورة لهما، بما يعزز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود والأمن الداخلي. وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن التخطيط للمهمة اكتمل، وأن بروكسل تتوقع إقرارها رسمياً في 12 تشرين الأول، بعد تلقي دعوة رسمية من السلطات اللبنانية. وشددت على أن المهمة لن تحل مكان القوات الدولية، وأن البحث في صيغة لاستمرار حضور أممي في الجنوب لا يزال قائماً.
هذا التمييز ليس تفصيلاً تقنياً. فـ«اليونيفيل» تعمل بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن، وتؤدي وظائف ميدانية واتصالية ومراقبة في منطقة عملياتها، فيما تقوم المهمة الأوروبية الجديدة على مساندة المؤسسات الأمنية اللبنانية. وبالتالي، فإن نجاحها في رفع قدرات الجيش لا يعني تلقائياً أنها ستؤمّن آلية دولية لمراقبة وقف الأعمال العدائية أو توفير مظلة سياسية تمنع التصعيد على الحدود.
من هنا، تبدو المشكلة في الفجوة بين ما تحتاج إليه بيروت وما تستطيع أوروبا تقديمه. فلبنان يريد منع الفراغ الأمني بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» في نهاية 2026، فيما لا يزال التوافق على قوة خلفٍ ذات تفويض واضح متعثراً، وسط خلافات تتصل بصلاحياتها وطبيعة انتشارها وعلاقتها بالجيش اللبناني وإسرائيل. وقد حذّرت مواقف لبنانية وأوروبية من مخاطر الانسحاب من دون ترتيبات بديلة.
واشنطن وبيروت: شراكة أمنية أم خلاف على شكل المرحلة المقبلة؟
سياسياً، تضع هذه المعادلة العلاقات اللبنانية ـ الأميركية أمام اختبار إضافي. فواشنطن تدفع باتجاه تولّي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن في الجنوب، وتربط رؤيتها للمرحلة المقبلة بتنفيذ الترتيبات المتفق عليها وحصر السلاح بيد الدولة. أما بيروت، فتخشى أن يؤدي الانتقال السريع من منظومة دولية إلى مسؤولية لبنانية شبه منفردة إلى تحميل الجيش أعباء تتجاوز قدراته الحالية، في ظل استمرار التوتر الميداني وعدم اكتمال الانسحاب الإسرائيلي.
وتكشف المقاربة الأوروبية عن تقاطع مع واشنطن في هدف تعزيز مؤسسات الدولة، يقابله اختلاف في تقدير الآليات اللازمة لتحقيقه. فالاتحاد الأوروبي يدعم الاتفاق الأميركي بشأن الجنوب، لكنه يتمسك أيضاً بضرورة عدم حصول فراغ دولي، ويشترط أن تستند أي قوة دولية بديلة إلى تفويض من الأمم المتحدة.
وعليه، لا يعني الاتفاق على بعثة أوروبية بالضرورة نشوء محور أوروبي في مواجهة الولايات المتحدة، لكنه يمنح بيروت مساحة إضافية للتحرك الدبلوماسي، شرط ألا يتحول تعدد المبادرات إلى تضارب في المرجعيات أو الرسائل. كما أن قدرة لبنان على الاستفادة من الدعم الأوروبي ستبقى مرتبطة بوضوح مهمات البعثة وحدود تدخلها، وبمدى استعداد الدول المشاركة لتقديم دعم ميداني ومالي مستدام للجيش.
الاختبار الحقيقي: ما بعد «اليونيفيل»
في المحصلة، لا تُقاس أهمية البعثة الأوروبية بحجم التدريب الذي ستوفره فحسب، بل بموقعها ضمن تصور متكامل لأمن الجنوب. فإذا بقيت مهمتها محصورة في تقديم المشورة والتدريب، فيما غابت آلية دولية لمراقبة الحدود واحتواء الحوادث، فلن تكون قادرة وحدها على معالجة المخاطر الناجمة عن انتهاء مهمة «اليونيفيل». أما إذا ترافقت مع تفاهم أممي واضح، ودعم فعلي للجيش، وضمانات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الالتزامات المتبادلة، فقد تصبح جزءاً من منظومة أوسع تمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
المعضلة اللبنانية، إذاً، ليست في الاختيار بين أوروبا والولايات المتحدة، بل في منع تحوّل اختلاف المقاربات الدولية إلى فراغ أمني تتحمل الدولة كلفته وحدها. فالمطلوب من بيروت ألا تكتفي باستقبال بعثة جديدة، بل أن تنتزع وضوحاً في التفويض والضمانات والتمويل، وأن تربط تعزيز قدرات الجيش بمسار سياسي متوازن يضمن سيادة لبنان، لا بمجرد نقل المسؤوليات الأمنية إليه قبل تهيئة شروط نجاحه.

