تقنية الفيديو تحت المجهر.. من يستفيد وما المعايير في المونديال؟

بعد أيام قليلة فقط من انطلاق منافسات كأس العالم 2026، بدأت التساؤلات تتزايد بشأن الطريقة التي يُطبَّق بها نظام حكم الفيديو المساعد (VAR)، قبل أن تتحول تلك التساؤلات خلال أسبوع واحد إلى حالة من الارتباك بين الجماهير واللاعبين وحتى المحللين، بسبب سلسلة من القرارات المثيرة للجدل.
فمن ركلة الجزاء التي طالب بها منتخب غانا أمام إنجلترا، إلى الهدف الملغى للبرازيل ضد إسكتلندا، مرورا بالهدف الافتتاحي لألمانيا أمام الإكوادور، بدا من الصعب توقع متى يتدخل حكم الفيديو المساعد ومتى يكتفي بالصمت.
ورغم هذا الجدل، فإن الأرقام لا تشير إلى اختلاف كبير مقارنة بالدوري الإنجليزي الممتاز. ففي الموسم الماضي من “البريميرليغ”، بلغ متوسط تدخلات تقنية VAR نحو 0.29 مرة في المباراة، مقابل 0.28 في مباريات كأس العالم حتى الآن.
أما الحالات التي اضطر فيها الحكم إلى مراجعة اللقطة بنفسه عبر الشاشة الجانبية، فسجل الدوري الإنجليزي معدل 0.15 مراجعة في المباراة، مقابل 0.17 في المونديال.
لكن استمرار البطولة كشف مجددًا مدى صعوبة الحفاظ على معايير ثابتة في استخدام التقنية، خاصة مع اختلاف تقدير الحالات بين الحكام.
ويؤمن رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بيرلويجي كولينا، بأن كرة القدم لعبة تعتمد على الاحتكاك، وأن ليس كل احتكاك يستوجب احتساب مخالفة. كما يسعى إلى أن تكون مباريات كأس العالم أكثر سرعة وانسيابية، وهو ما يفرض على حكام الفيديو التكيف مع هذا النهج.
غير أن هذا التوجه يجعل تحديد مفهوم “الخطأ الواضح والصريح”، الذي يستوجب تدخل تقنية VAR، أكثر تعقيدا، وهي معضلة عانى منها الدوري الإنجليزي الممتاز أيضا خلال السنوات الماضية.
في المقابل، تعتمد بطولات أخرى معايير أقل صرامة لتدخل حكم الفيديو، ما يؤدي إلى عدد أكبر من المراجعات ويمنح الجماهير شعورا أكبر بالاتساق، وإن كان ذلك يبتعد عن الفلسفة الأصلية للتقنية، التي تقوم على تصحيح الأخطاء الكبيرة فقط.
ويُعد دوري أبطال أوروبا مثالا واضحا على ذلك، إذ يبلغ متوسط تدخلات VAR فيه 0.47 مرة في المباراة، فيما يصل متوسط مراجعات الشاشة إلى 0.36، وهو معدل أعلى بكثير من كأس العالم.
وتبرز لمسات اليد كأحد أبرز الأمثلة، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) تفسيرا أكثر تشددا، مع مساحة أقل للاجتهاد الشخصي، ما يجعل تدخل VAR أكثر شيوعا عند ارتطام الكرة بذراع المدافع.
قرارات أثارت الجدل
بدأت موجة الانتقادات، الثلاثاء، عندما أكد مدرب غانا، كارلوس كيروش، أن “تقنية VAR ذهبت لتناول القهوة”، بعدما تجاهلت احتساب ركلة جزاء لفريقه أمام إنجلترا إثر تدخل من إزري كونسا على برنس كوابينا أدو، في المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي.
واعتبر كثيرون أن التدخل كان متهورا ويستحق مراجعة من حكم الفيديو، ما جعل عدم التدخل مفاجئًا.
وفي اليوم التالي، أُلغي هدف للبرازيل خلال فوزها 3-0 على إسكتلندا بسبب خطأ احتسب على فينيسيوس جونيور ضد جاك هندري. ورأى مراقبون أن القرار جاء هذه المرة وفق معايير أكثر تشددا، رغم أن اللقطة أوحت بأن هندري هو من اصطدم بمهاجم ريال مدريد.
وقال الحكم الدولي المساعد السابق دارين كان، عبر برنامج “ماتش أوف ذا داي” (Match of the Day): “كان هناك احتكاك بسيط قبل لعب الكرة، لكنني لا أعتقد أنه يرقى إلى مستوى المخالفة.”
واستمر الجدل بعد خسارة ألمانيا 2-1 أمام الإكوادور.
فقد احتُسب هدف ليروي ساني رغم أن حذاء زميله ألكسندر بافلوفيتش المرتفع أصاب رأس بيدرو فيتي، في لقطة اعتبرها كثيرون تستوجب تدخل VAR، إلا أن الحكم توري بنسو أبقى على قراره.
وقال الحارس الإنجليزي السابق جو هارت عبر برنامج “ماتش أوف ذا داي”: “كل لاعب يشاهد البطولة سيقول فورا إن هذا التدخل عرّض المنافس للخطر، إنه حذاء مرتفع وخطأ واضح. أعتقد أن القرار كان خاطئا.”
وبعد بداية الشوط الثاني مباشرة، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح ألمانيا إثر سقوط كاي هافرتز بعد تدخل من جويل أوردونيز.
لكن هذه المرة تدخل حكم الفيديو، جو ديكرسون، وأبلغ الحكم بوجود مخالفة ارتكبها ليروي ساني بحق بيدرو فيتي في منتصف الملعب، ليتم إلغاء ركلة الجزاء.
ورغم إمكانية تبرير القرار بشكل منفصل، خصوصا أن فيتي بدا وكأنه بالغ في السقوط، فإن المقارنة مع تجاهل لقطة بافلوفيتش أثارت تساؤلات كبيرة بشأن اتساق المعايير.
بل إن البعض رأى أن حكم الفيديو ربما حاول تعويض الخطأ السابق، إلا أن منح مخالفة في لقطة وتجاهل أخرى مشابهة بدا أمرا يصعب تفسيره.
هل تستفيد المنتخبات الكبرى؟
ورغم كثرة الجدل، لم تتضرر المنتخبات الكبرى كثيرا من مراجعات الفيديو.
فالهدف الملغى للبرازيل وركلة الجزاء التي أُلغيت لألمانيا هما الحالتان الوحيدتان اللتان جاءت قرارات VAR فيهما ضد أحد أبرز المرشحين للفوز باللقب.
في المقابل، لم تحصل فرنسا على ركلة جزاء أمام السنغال بعد تدخل من ساديو ماني على كيليان مبابي، رغم أن حكم الفيديو أوصى باحتسابها، قبل أن يرفض الحكم الرئيسي ذلك.
وأثار هذا القرار أيضا استغراب عدد كبير من المتابعين، ليعزز الانطباع بوجود تباين واضح في تطبيق المعايير.
ويجد بيرلويجي كولينا، الذي يشرف على فريق مكون من 30 حكما للفيديو يعملون من مركز العمليات في دالاس، نفسه أمام تحد لإعادة الثقة في آلية عمل التقنية.
فمنذ إدخال تقنية VAR، كان الشعار الدائم هو “أقل تدخل… لأكبر فائدة”، لكن تطبيق هذا المبدأ يبقى مرهونا أولا بصحة القرارات التي يتخذها حكام الساحة.
فكلما كانت القرارات الميدانية دقيقة، تراجع دور تقنية الفيديو. أما في ظل تكرار الحالات المثيرة للجدل، فإن سياسة الحد الأدنى من التدخل تصبح أكثر صعوبة، وهو ما يبدو واضحا في كأس العالم حتى الآن. (بي بي سي)

