أين سيتابع اللبنانيون مباريات المونديال؟ استطلاع للراي يكشف ….

خاص – بيروت بوست
متابعة كأس العالم في لبنان تتحول في كل نسخة إلى تجربة اجتماعية واقتصادية معقدة، تتجاوز حدود المتعة الرياضية لتلامس تفاصيل الحياة اليومية والقدرة الشرائية للمواطنين. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالشغف بكرة القدم أو انتظار المباريات الكبرى، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بتكلفة الاشتراكات التلفزيونية، التي غالباً ما تُسعَّر بالدولار أو بأسعار تفوق قدرة شريحة واسعة من اللبنانيين في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

في هذا السياق، يجد كثيرون أنفسهم أمام معادلة غير متكافئة: إما الدفع لمتابعة المباريات من المنزل، أو البحث عن بدائل أقل كلفة لكنها لا تخلو من الإحراج أو التقييد. لذلك، يصبح “منزل الصديق المشترك” خياراً شائعاً، حيث يتجمع عدد من الأصدقاء حول شاشة واحدة، يتقاسمون الأجواء والحماس، وأحياناً حتى تكاليف الاشتراك أو الضيافة. هذا النموذج الاجتماعي يعكس نوعاً من التكيّف الشعبي مع الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تراجع فكرة المتابعة الفردية المريحة داخل كل منزل.
أما المقاهي والمطاعم، فهي تتحول خلال فترة المونديال إلى مسارح بديلة للمباريات، لكنها أيضاً تدخل في دائرة التكاليف المرتفعة. فهذه المؤسسات، التي تدفع بدورها اشتراكات مرتفعة لبث المباريات بشكل قانوني، تلجأ إلى فرض بدلات إضافية على الزبائن، سواء عبر الحد الأدنى للطلب أو عبر رفع أسعار الخدمات. وهكذا يصبح حضور المباراة في مكان عام تجربة مشروطة بقدرة الزبون على تحمّل كلفة “الفرجة الجماعية”.
في المحصلة، يبدو أن المشهد العام لمتابعة المونديال في لبنان ينقسم إلى فئات واضحة: فئة قادرة على الاشتراك الفردي ومتابعة المباريات من المنزل براحة كاملة، وفئة ثانية تلجأ إلى البدائل الاجتماعية مثل منازل الأصدقاء، وفئة ثالثة تعتمد على المقاهي رغم كلفتها الأعلى نسبياً. وبين هذه الفئات، هناك شريحة غير قليلة قد تجد نفسها خارج دائرة المتابعة أصلاً، إما بسبب الضغوط الاقتصادية أو بسبب توقيت المباريات الذي قد لا يتناسب مع ظروف العمل والحياة اليومية.
هكذا، يصبح المونديال في لبنان أكثر من مجرد حدث رياضي عالمي؛ إنه مرآة تعكس الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وتُظهر كيف يمكن للرياضة أن تتحول من مساحة جامعة إلى تجربة غير متكافئة، تحددها القدرة على الدفع بقدر ما تحددها متعة اللعبة نفسها.

