
خاص – بيروت بوست
إليكم تقدير موقف وتحليل استراتيجي لخطاب الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم في ذكرى القادة الشهداء: راغب حرب، عباس الموسوي، وعماد مغنية.
أولاً: الدلالات الرمزية – إعادة تثبيت الهوية العقائدية
ركز الشق الأول من الخطاب ركّز على البعد الرمزي – العقائدي، عبر استحضار “الخط الحسيني” ونهج الامام الخميني ومقولة السيد حسن نصر الله حول معادلة “النصر بالشهادة”.
التقدير الاستراتيجي هنا، يتلخص، بسعي الحزب إلى إعادة شدّ العصب الداخلي في لحظة إقليمية ضاغطة، وتثبيت شرعية سلاحه ضمن سردية تاريخية – دينية عابرة للظرف السياسي الراهن. فاستدعاء الرموز المؤسسة ليس ترفًا خطابياً، بل هو تأكيد أن أي نقاش حول مستقبل المقاومة لن يكون تقنياً أو أمنياً فحسب، بل وجودياً – عقائدياً.
ثانياً: نقل الاشتباك إلى مربع الدولة
أخطر ما في الخطاب ليس الجانب العقائدي، بل إعادة تعريف المسؤولية السيادية. فقد قال الشيخ قاسم بوضوح إن مسؤولية المقاومة هي مسؤولية “الدولة والجيش والشعب”، ما يعني:
– محاولة نزع الطابع الفئوي عن المقاومة.
– تحميل الدولة مسؤولية أي تقصير في مواجهة إسرائيل.
– وضع الحكومة أمام خيارين: إما التماهي مع خيار المقاومة أو تحمّل كلفة “الفراغ السيادي”.
يعكس هذا الطرح انتقال الحزب من موقع الدفاع عن سلاحه إلى موقع الهجوم السياسي المعاكس، عبر القول إن المشكلة ليست في وجود السلاح، بل في ضعف الدولة عن فرض معادلة الردع.
ثالثاً: اتفاق تشرين الثاني 2024 – توظيف سياسي للخرق الإسرائيلي
فإشارته إلى اتفاق تشرين الثاني 2024 (وقف إطلاق النار غير المباشر) تؤسس لثلاث رسائل:
– لبنان التزم، إسرائيل لم تلتزم.
– المرحلة السابقة انتهت، ومرحلة جديدة بدأت.
– الدولة مسؤولة عن معالجة الخروقات.
التقدير هنا، أن الحزب لا يريد إعلان انهيار الاتفاق، لكنه يريد القول إنه لم يعد ملزماً بضبط النفس إلى ما لا نهاية، أي أنه يمنح الدولة مهلة سياسية، لكنه يلمّح إلى أن استمرار الخروقات سيعيد زمام المبادرة إلى المقاومة.
رابعاً: الاشتباك الداخلي – ملف نزع السلاح
وصفه التركيز الحكومي على نزع السلاح بـ”الخطيئة الكبرى” يعكس قلقًا حقيقيًا من:
– ربط المساعدات الدولية بملف السلاح.
– استخدام الضغط الاقتصادي لتعديل موازين القوى الداخلية.
– تحوّل ملف إعادة الإعمار إلى أداة ابتزاز سياسي.
الرسالة هنا واضحة: المقاومة ليست بندًا تفاوضيًا في صفقة مالية، حيث يحاول الحزب إعادة رسم الخطوط الحمراء: أي مساعدة مشروطة تعني وصاية خارجية، وأي محاولة لتسليح الجيش بمواجهة المقاومة تعني تفجير الداخل.
خامساً: معادلة الردع – لا حرب ولا استسلام
اعتمد الشيخ قاسم صيغة مزدوجة: الحزب لا يريد الحرب، لكنه، في المقابل لن يقبل بالاستسلام.
صيغة ردع كلاسيكية هدفها إبقاء التوتر مضبوطًا دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن اللافت قوله إن “الصبر لا يمكن أن يستمر”، ما يعني أن نافذة التهدئة محدودة زمنياً.
سادساً: السيناريوهات المحتملة
– سيناريو الاحتواء السياسي (الأكثر ترجيحًا على المدى القصير)
تتجنب الحكومة التصعيد حول السلاح، وتُركّز على تثبيت وقف النار وضبط الخروقات، فيما يواصل الحزب سياسة “الصبر المحسوب”.
– سيناريو الضغط الدولي المتصاعد
إذا تم ربط أي دعم مالي صراحةً بنزع السلاح، قد نشهد تصعيدًا سياسيًا داخليًا، وربما إعادة تموضع حكومي.
– سيناريو الانفجار المحدود
استمرار الخروقات الإسرائيلية مع عجز الدولة قد يدفع الحزب إلى عملية محدودة تعيد تثبيت معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
سابعا: الخلاصة الاستراتيجية
الخطاب ليس خطاب تعبئة عاطفية بقدر ما هو إعادة رسم معادلة المرحلة المقبلة:
– تثبيت الهوية العقائدية.
– تحميل الدولة مسؤولية السيادة.
– رفض تحويل السلاح إلى ورقة تفاوض مالية.
– منح مهلة سياسية محدودة قبل تغيير قواعد الاشتباك.
بمعنى أدق: الحزب يعلن أنه في مرحلة انتظار مشروط، فهو لا يريد الحرب، لكنه يضع سقفًا زمنياً للصبر، ويُحمّل الدولة مسؤولية منع الانفجار.





