
خاص – بيروت بوست
في ما يلي تقدير موقف وتحليل سياسي – استراتيجي للبيان الصادر عن رئيس هيئة الإعلام في حزب الله النائب الدكتور السيد إبراهيم الموسوي، مع تفكيك رسائله المعلنة والضمنية وسياقه الداخلي والإقليمي:
أولاً: السياق العام للبيان
يأتي هذا التصريح في لحظة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة على الدولة اللبنانية:
– المسار التفاوضي – التقني المرتبط بلجنة “الميكانيزم” المنبثقة عن اتفاق 27/11/2024.
– المسار السياسي الداخلي المتصل بملف حصر السلاح ودور الدولة.
– المسار الإقليمي – الدولي الذي تحاول فيه أطراف خارجية استثمار مرحلة ما بعد الحرب جنوباً لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة النص كرد إعلامي فحسب، بل كموقف سياسي واضح يرسم خطوطاً حمراء ويعيد تحديد قواعد الاشتباك السياسي مع الداخل والخارج.
ثانياً: الرسالة المركزية: رفض توسيع التفويض
يرتكز الموقف في جوهره على رفض قاطع لأي محاولة لتوسيع صلاحيات لجنة الميكانيزم خارج إطارها التقني والجغرافي المحدد جنوب نهر الليطاني.
يرى الحزب هنا أن أي ربط بين “تسهيلات إسرائيلية” و”المرحلة الثانية من حصر السلاح” يشكل: انحرافاً عن الاتفاق، مدخلاً لتدويل ملف السلاح، ومحاولة لإقحام العدو الإسرائيلي في نقاش سيادي داخلي لبناني.
بعبارة أوضح، يعتبر حزب الله أن ما نُسب إلى السفير سيمون كرم، إن صح، ليس اجتهاداً دبلوماسياً، بل تحولاً سياسياً خطيراً يبدّل وظيفة اللجنة من أداة تنفيذ إلى منصة ضغط.
ثالثاً: الدفاع عن “شرعية الالتزام” لا عن السلاح
في النقطة الثانية، يعتمد النص مقاربة ذكية تقوم على الاحتماء بالموقف الرسمي للدولة.
فهو لا يكتفي بنفي اتهامات عدم التعاون، بل يستند صراحة إلى: تصريحات رئيس الجمهورية، قيادة الجيش، وقوات اليونيفيل.
هنا، الرسالة مزدوجة: تحصين الحزب داخلياً عبر تأكيد أنه يلتزم بما التزمت به الدولة، إحراج أي خطاب مضاد يحاول تصوير الحزب كطرف متمرّد أو معرقل.
في المقابل، يُتهم السفير كرم، سياسياً لا شخصياً، بتبني سردية إسرائيلية، ما يعني إسقاط صفة “الحياد التقني” عنه وتحويله إلى طرف في النزاع.
رابعاً: الاعتراض على رئاسة الوفد… ما بعد الشخص
النقطة الثالثة هي الأكثر عمقاً وخطورة، لأنها لا تتوقف عند السفير كرم كشخص، بل تطعن في خيار الدولة نفسه. فالحزب يعتبر أن تعيين دبلوماسي مدني على رأس وفد يتعامل مع: عدو، ملف أمني – عسكري، وفي ظل احتلال قائم واعتداءات مستمرة،
هو خطأ بنيوي في مقاربة الدولة لمرحلة شديدة الحساسية.
اللافت أن النص يربط هذا “الخطأ” مباشرة بملف حصرية السلاح، معتبراً أن فتح هذا النقاش في ظل الاحتلال يشكل تنازلاً سياسياً مجانياً، بل وخطيراً.
خامساً: الدلالات الاستراتيجية
يمكن استخلاص جملة مؤشرات أساسية من هذا الموقف:
– حزب الله يعلن عملياً انتهاء مرحلة الصمت تجاه ما يجري داخل بعض القنوات الرسمية.
– هناك قلق واضح من مسار تفاوضي موازٍ قد يتجاوز السقوف المتفق عليها.
– الحزب يضع الدولة أمام مسؤولياتها: إما الالتزام الحرفي بالاتفاق، أو تحمّل تبعات الانزلاق السياسي.
– النص يوجه رسالة للخارج مفادها أن الضغط عبر المؤسسات اللبنانية لن يمر بهدوء.
سادسا: خلاصة تقدير الموقف
النص ليس بياناً دفاعياً، بل إعلان موقف استباقي يهدف إلى:
– ضبط إيقاع المرحلة المقبلة.
– منع تحويل الجنوب إلى بوابة لفرض تسويات سياسية داخلية.
– تذكير الجميع بأن أي نقاش حول السلاح، الصلاحيات، أو الأمن الوطني، لا يمكن فصله عن واقع الاحتلال والعدوان.
باختصار، نحن أمام تصعيد سياسي محسوب، هدفه ترسيم الحدود بين “التقني” و”السيادي”، ومنع تمييع هذا الفصل في لحظة يعتبرها حزب الله مفصلية في مستقبل التوازنات اللبنانية.





