خاصأمن وقضاءإقليمياقتصاددوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | كلمة رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي

خاص – بيروت بوست

في ما يلي تقدير موقف وتحليل استراتيجي لكلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام السلك الدبلوماسي بتاريخ 20/1/2026، انطلاقًا من دلالاته السياسية، وتوقيته، ورسائله الداخلية والخارجية.

أولًا: السياق العام للكلام
جاء خطاب رئيس الجمهورية في لحظة لبنانية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة:
– عودة خماسية باريس إلى العمل مع تعثر واضح في آلياتها وقدرتها على فرض اختراق سياسي.
– تصاعد الرهانات على المؤسسة العسكرية كركيزة استقرار، عشية زيارة قائد الجيش إلى واشنطن.
– انسداد داخلي شبه كامل على مستوى الإصلاحات، وإعادة تكوين السلطة، وإدارة الانهيار المالي – الاجتماعي.
انطلاقا من ذلك، لا يمكن قراءة الخطاب ككلام بروتوكولي أمام الدبلوماسيين، بل كوثيقة سياسية موجّهة تعكس رؤية الرئاسة لدور لبنان وموقعه في مرحلة إعادة خلط أوراق إقليمية ودولية.

ثانيًا: الرسائل الأساسية في الخطاب
1- تثبيت أولوية “الدولة” لا “التسويات”
حرص الرئيس عون على إعادة التأكيد على مفاهيم:
سيادة الدولة، حصرية القرار، احترام المؤسسات، والتزام الدستور.
عناوين، وإن بدت تقليدية، إلا أنها أتت في سياق رفض ضمني لتحويل لبنان إلى ساحة تسويات مؤقتة أو حلول خارج الدولة، ورسالة واضحة بأن الرئاسة لا تنوي تغطية أي مقاربة تلتف على منطق الدولة مقابل الاستقرار الهش.
2- مخاطبة الخارج بلغة الشريك لا الطالب
تميّز الخطاب بنبرة محسوبة تجاه المجتمع الدولي:
لا تصعيد ولا استجداء، لا تحدٍّ ولا خضوع.
اذ سعى الرئيس إلى رسم صورة لبنان كشريك يحتاج دعمًا سياسيًا واقتصاديًا، لا وصاية ولا إملاءات، مع تحميل القوى الدولية مسؤولية عدم الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل المساهمة في حلّها.
3- حماية الاستقرار كخط أحمر
أحد أبرز مضامين الخطاب كان الربط الواضح بين:
الاستقرار الأمني، دعم الجيش، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، وهو ما ينسجم مع مقاربة تعتبر أن الاستقرار ليس ترفًا سياسيًا بل شرطًا وجوديًا، خصوصًا في ظل التوترات على الحدود الجنوبية والتداعيات الإقليمية الأوسع.

ثالثًا: الدلالات الاستراتيجية للخطاب
1- إعادة تموضع الرئاسة
الخطاب يؤشر إلى محاولة إعادة تموضع الرئاسة كلاعب توازني: لا في محور الاشتباك، ولا في موقع المتفرّج، بل كمرجعية دستورية تحاول الإمساك بالخيط الرفيع بين الداخل المنقسم والخارج المتصارع على لبنان.
2- رسالة مزدوجة للخماسية الدولية
يمكن قراءة الخطاب كرسالة غير مباشرة إلى خماسية باريس مفادها: لبنان منفتح على الدعم،
لكنه غير قابل لأن يُدار بآليات معطّلة أو تسويات فوقية، وهو ما يضع الخماسية أمام اختبار جدّي: إما تطوير أدواتها أو فقدان فعاليتها.
3- تقاطع محسوب مع زيارة قائد الجيش لواشنطن
شكل الخطاب، بتوقيته ومضمونه، مظلّة سياسية لزيارة قائد الجيش: تثبيت دور الجيش كمؤسسة وطنية جامعة، منع تسييس الدعم العسكري،
ربط أي مساعدة خارجية بسقف الدولة لا الأفراد.

رابعًا: نقاط القوة ونقاط الالتباس
1- نقاط القوة:
– خطاب هادئ غير تصعيدي
– وضوح في الثوابت
– محاولة بناء ثقة مع الخارج دون التفريط بالسيادة
2- نقاط الالتباس:
– غياب خريطة طريق تنفيذية واضحة
– ترك مساحة واسعة للتأويل حول كيفية ترجمة المواقف إلى سياسات
– عدم تسمية المعرقلين صراحة، ما قد يُفسَّر كحذر مفرط

خامسا: تقدير الموقف
كلام رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي لم يكن إعلان مواجهة ولا خطاب تسوية، بل محاولة ضبط إيقاع المرحلة ووضع حدود سياسية لما هو مقبول وما هو مرفوض، عاكسا، إدراكًا دقيقًا لخطورة المرحلة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب امام سؤال مركزي: هل تملك الرئاسة، ومعها الدولة، القدرة على تحويل هذا الخطاب إلى مسار فعلي، أم سيبقى جزءًا من إدارة التوازنات بانتظار نضوج تسوية أكبر من لبنان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى