خاص – بيروت بوست
مثل قرار واشنطن المعلن بعدم قبول أو دعم مشاركة الفصائل المسلحة، وخصوصاً التشكيلات الموالية لإيران داخل بنية السلطة التنفيذية العراقية، خطوة ذات دلالة كبيرة وخطيرة في سياسة الولايات المتحدة لإعادة ترسيم قواعد الشرعية السياسية في المنطقة.
فالرسالة الأميركية واضحة: الحكومة الشرعية يجب أن تُبنى على مؤسسات ومنظومات تسيّرها أجهزة دولة وليس فصائل مسلحة ذات أجندات خارجية. هذا الموقف تُرجِم في تصريحات مسؤولي واشنطن ومبعوثيها التي تحذر بغداد من إدخال عناصر مسلحة في الحقائب الوزارية أو في مواقع صنع القرار، وتؤكد أن مثل هذه الخطوات قد تُقود إلى رفض أميركي للاعتراف أو إلى ضغوط أخرى.
من زاوية المصالح الأميركية، الخطوة تخدم ثلاثة أهداف متوازية:
1)- إعادة بناء مؤسسات مركزية قادرة على مواجهة فوضى السلاح غير المنضبط داخلياً.
2)- تقليص النفوذ الإيراني الذي يتغذى على وجود فصائل مسلّحة داخل الدولة.
3)- حماية مصالح حلفاء واشنطن الإقليميين والحدّ من احتمالات تحويل العراق إلى قاعدة لعمليات تقوض الاستقرار الإقليمي.
لذلك، يعتبر هذا القرار “المدروس” جزءا من إطار أوسع للضغط باتّجاه إخضاع السلاح للدولة أو تفكيك البنى الموازية.
لكنّ التطبيق العملي لهذا الموقف في بغداد يواجه تحديات ميدانية وسياسية جسيمة. بغداد لا تزال توازن بين ضغوط واشنطن وواقع قوة الميليشيات المنضوية في قوات الحشد الشعبي وعلاقاتها مع إيران؛ وحتى رئيس الحكومة أوضح في مواقف متكررة أن ملف نزع السلاح لا يُحلّ بسهولة ما دام الوجود الأجنبي والتحالفات الإقليمية مستمرة، وأن المسارات السياسية والعملية تستلزم خطوات متدرجة.
هذا يعني أن تحوّل القرار الأميركي إلى واقع ملموس يتطلّب مفاوضات معقدة وضمانات وتأمينات داخلية وإقليمية.
الانعكاسات على لبنان:
تحمل بعدين متداخلين: مباشر وسياسي – استراتيجي. أولاً، بيانياً: تشديد واشنطن في العراق يرسل إشارة إلى محور المقاومة (إيران وحلفاؤها) مفادها أن المساحات السياسية لدمج الفاعلين المسلحين في مؤسسات الدولة أصبحت أكثر ضيقاً. هذا يضع ضغوطاً على خطاب شرعية السلاح في دول الجوار ويقوّض العذر المؤسسي الذي قد يستخدمه بعض الفاعلين لتبرير مشاركتهم الرسمية. على مستوى المبدأ، يُسهِم هذا في تعزيز الدعوات الدولية لسيادة الدولة واحتكار السلاح.
ثانياً، عملياً على الأرض اللبنانية: أي محاولة خارجية أو داخلية لرفع سقف المطالب بنزع سلاح حزب الله أو دمجه في مؤسسات الدولة قد تستحضر مقارنة ببغداد؛ لكن الواقع اللبناني مختلف جذرياً، تاريخياً واجتماعياً وعسكرياً.
فحزب الله يمتلك بنية سياسية واجتماعية داخل الدولة ليست موازية فحسب بل متداخلة مع مؤسساتها. لذا سيُقرأ القرار الأميركي في العراق كعامل ضغط دولي، لكنه ليس كافياً لفرض تسوية مماثلة في لبنان دون تفاهم إقليمي أو ضغوط روسية/إيرانية أو تغيير جذري في معادلات القوة المحلية.
من الناحية الاستراتيجية، مقاربة واشنطن قد تُشجّع فصائل في لبنان على مزيد من الحذر أو إعادة حساب التموقع السياسي (محاولة تعزيز الغطاء السياسي وتقليل الظهور العسكري)، لكنها قد تُفضي أيضاً إلى ردود فعل مضادة: تصعيد كلامي، تكثيف التهيؤات العسكرية كأداة ردع، أو بناء تحالفات إقليمية أكثر صرامة مع طهران لتعويض الضغوط السياسية.
بعبارة أخرى، خطوة واشنطن تزيد من عنصر الضغوط والاحتكاك لكنها لا تقلص بالضرورة قدرات الأطراف المسلحة، بل قد تغيّر أطر عملها وتوقيتها.
المخاطر والفرص:
الخطر الأكبر يكمن في أن يصبح الخطاب الدولي ضاغطاً بصورة تستدعي ردوداً ميدانية تكتيكية تؤدي إلى احتكاك إقليمي غير مقصود؛ بينما الفرصة تكمن في أن يوفّر القرار الأميركي غطاءً لدفع مسارات سياسية داخلية منظمة نحو مزيد من التداول المدني للمسألة الأمنية، إذا ما رافقته أوراق ضمان وإعادة بناء مؤسسات فعلية.
خلاصة القول: القرار أميركي رمزي وسياسي بقدر ما هو عملية ضغط عملية؛ وقد يغيّر من أفق المناقشات الإقليمية لكنه لن يغيّر معادلات القوة في لبنان بين ليلة وضحاها، ما لم تترافق خطواته مع أفق سياسي إقليمي متوافق عليه أو مع تغيرات ملموسة على الأرض في مراكز قوة الفاعلين.





