خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف | بيت جن: تحوّلات خطيرة على تخوم الجولان …. أين حزب الله؟

خاص – بيروت بوست

لم يكن ما حدث في بيت جن مجرّد اشتباك موضعي أو عملية أمنية عابرة، بل تطوّر نوعي في مسار المواجهة المفتوحة على جانبي الجولان، يحمل دلالات متشابكة تتّصل بطبيعة المرحلة، وحدود الاشتباك، ورسائل القوة المتبادلة بين الأطراف الفاعلة على المسرح السوري – الإسرائيلي.

فالعملية التي أسفرت عن سقوط 20 قتيلاً جاءت كترجمة مباشرة لتحوّل إسرائيلي في قواعد العمل الميداني، واستشعار تل أبيب بأنّ الساحة السورية عادت لتقترب من مستوى تهديد يستدعي خطوات أكثر جراءة، ولو على حساب توسيع هامش الاحتكاك المباشر.

اللافت أنّ التوغّل الإسرائيلي في محيط بيت جن كان عملية مركّبة جمعت بين تغطية نارية منسّقة وتدخّل بري محدود، في خطوة تعكس رغبة في إظهار قدرة الجيش الإسرائيلي على المبادرة الميدانية العميقة، وتوجيه ضربة “نوعية” ضد مجموعات تعتبرها تل أبيب امتداداً للتموضع العسكري لحزب الله أو الحرس الثوري على تخوم الجولان.

في المبدأ، فإن اختيار بيت جن بالذات ليس تفصيلاً: المنطقة تشكل نقطة تماس حسّاسة، حيث تتقاطع الخرائط الأمنية بين جنوب سوريا وقطاع الجولان، وبين خطوط إمداد قديمة حاولت مجموعات مختلفة استغلالها خلال العقد الماضي.

١- أهداف إسرائيل: بين الردع وقطع الطريق:

من زاوية إسرائيلية بحتة، تبدو العملية جزءاً من مقاربة جديدة لتثبيت خطوط حمراء أمام أي تموضع مسلّح قد يغيّر قواعد الاشتباك. فتل أبيب التي تخوض صراعاً متعدد الجبهات من لبنان إلى غزة وصولاً إلى العراق وسوريا، باتت أكثر ميلاً إلى اعتماد سياسة “الضربات الاستباقية الميدانية” بدلاً من الاكتفاء بالضربات الجوية. وهذا التحوّل يرتبط بجملة عوامل:

  1. تقدير استخباراتي بأن مجموعات محددة تعمل على بناء بنى تحتية عسكرية قرب الحدود.
  2. الخشية من فتح جبهة الجولان بالتزامن مع التصعيد مع حزب الله في لبنان.
  3. الرغبة في إظهار قدرة الجيش على القتال البري ونفي الانطباع الذي خلّفته حرب غزة عن تراجع أداء القوات البرية.

هنا، يمكن قراءة العملية كرسالة مضاعفة: ردع للمجموعات التي تنشط قرب الجولان، وإشارة ميدانية للخصوم، تحديداً حزب الله، بأن إسرائيل قادرة على فتح ساحات خارج لبنان وفرض معادلة ضغط جديدة.

٢- ردود الفعل السورية وحسابات دمشق:

على الجانب السوري، تضع العملية النظام أمام معادلة دقيقة. فدمشق تحاول منذ سنوات تثبيت استقرار هش في الجنوب، وضبط الجماعات المحلية والمسلّحين الذين يتحركون ضمن حسابات معقّدة بين التنافس الداخلي والتأثيرات الإقليمية. لكنّ الغارة،وما تبعها من توغّل بري، أظهرت أنّ قدرة النظام على فرض أمن شامل في تلك المنطقة ما تزال محدودة، وأن إسرائيل قادرة على النفاذ عند الحاجة، مستفيدة من الفراغات الأمنية والواقع الحدودي المتشابك.

مع ذلك، لا يبدو النظام راغباً في الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ليس فقط بسبب الانهاك البنيوي الذي يعانيه، بل لأن الجنوب السوري يشكل ساحة تتداخل فيها مصالح الروس والإيرانيين والإسرائيليين في آن. ومن هنا يمكن تفسير الغياب شبه الكامل لردّ مباشر من الجيش السوري، والاكتفاء بمواقف سياسية وتحذيرات عامة.

٣- حزب الله وحسابات الجبهة الشمالية:

بالنسبة إلى حزب الله، يأتي ما حدث في بيت جن في لحظة شديدة الحساسية على الحدود اللبنانية. فالحزب يدرك أنّ إسرائيل تريد تقليص أي تهديد في محيط الجولان قبيل أي تطور محتمل على جبهة لبنان. لهذا فإن العملية تُقرأ في سياق محاولة تل أبيب قطع خطوط دعم أو تواصل يمكن أن يستفيد منها الحزب لاحقاً. ورغم عدم تبنّي أي جهة للضحايا أو هوية كل العناصر بدقة، تضع الدوائر الإسرائيلية الحدث في خانة “ضربة لمنظومة الحزب في الجنوب السوري”.

هنا، تكمن دقة الموقف: الحزب لن يُدرج الحادث ضمن مواجهة الجبهة الشمالية مباشرة، لكنه يسجّل في ميزان المواجهة أنّ إسرائيل توسّع هامش عملياتها وتمهّد لحرب متعددة الجبهات إذا اقتضت الظروف. وقد يردّ الحزب في الزمان والمكان المناسبين، لكن ضمن قواعد لا تستدرج حرباً شاملة.

الخلاصة: مرحلة جديدة من الاحتكاك المحسوب:

إنّ ما جرى في بيت جن لا يشكّل فقط حادثاً أمنياً بل مؤشراً على دخول الساحة السورية، ولا سيما الجنوب، مرحلة جديدة من الاحتكاك المحسوب، حيث تتقاطع رسائل الردع الإسرائيلية مع محاولات الأطراف الأخرى تثبيت حضور ميداني ولو منخفض الوتيرة.

ومع أنّ العملية قد لا تفتح جبهة واسعة، فإنها تؤكد أنّ إسرائيل مستعدة للانتقال من “معركة بين الحروب” الجوية إلى ضربات مختلطة تجمع بين الجو والبر، في رسالة إلى خصومها على كل الجبهات.

باختصار، بيت جن هي حلقة جديدة في صراع طويل، لكنها تكشف أن المنطقة تتّجه نحو نمط أكثر خطورة من الاحتكاك، قد يظل محدوداً …. لكنه يبقي كل الأبواب مفتوحة على تصعيد أكبر في لحظة واحدة خاطئة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى