
خاص – بيروت بوست
حين اعتلى امين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم امس “المنبر”، لتأبين رئيس أركان الحزب، هيثم الطبطبائي، بدا واضحاً أنّ المناسبة تتجاوز الطابع الرمزي. فالاغتيال الذي استهدف واحداً من أبرز القادة الميدانيين في بنية حزب الله، وفق ما تؤكده التسريبات الإسرائيلية وقراءات دوائر القرار في المنطقة، أوجد فراغاً رمزياً وسياسياً يحتم على قيادة الحزب إعادة تثبيت اتجاه المرحلة المقبلة، وتظهير أنّ قواعد الاشتباك لم تنهَر، وأن بنية القوة لا تهتزّ باغتيال فرد مهما علت رتبته.
في هذا السياق، جاءت كلمة الشيخ نعيم قاسم محمّلة بما يشبه “خريطة طريق” غير مُعلنة: خطاب تأبيني بمضمون سياسي، ورسالة ردعية مغلّفة بلغة وجدانية، ومحاولة لإعادة توازن الجبهة النفسية في لحظة تحاول فيها إسرائيل توظيف عملياتها الخاصة لإحداث ضغط معنوي وإرباك داخل بيئة المقاومة.
فمن خلال أسلوبه الهادئ، بدا الشيخ نعيم كمن يُعيد سرد الوقائع من زاوية تؤكّد أن الحزب يمسك بزمام المبادرة الاستراتيجية، وأن اغتيال الطبطبائي، مهما بدا كبيراً، لا يشكّل نقطة تحوّل في بنية القوة بل فصلًا جديداً في مسار المواجهة.
أولاً: البُعد الرمزي والسياسي:
عمل الشيخ نعيم على تحويل حدث الاغتيال إلى مادة توحيدية داخلية. فالإشادة بسيرة الطبطبائي وتفصيل مآثره يحقق غرضين: تعظيم الرمزية القيادية لهيكلية الحزب، وإقناع القاعدة بأن القيادة قابلة للاستبدال بسهولة، ما يحدّ من أثر الضربة على الروح المعنوية والتنظيمية.
أسلوب يهدف كذلك إلى إظهار الحزب كفاعل مسؤول ومنظّم يملك سلسلة قيادية عميقة وليس شخصاً واحداً محورياً. مثل هذا الخطاب يسهِم في إبطاء عوامل الهلع الداخلي ويحافظ على استقرار إدارة الملفات العسكرية والسياسية داخلياً.
ثانياً: الرسائل الردعية والعسكرية المضمّنة:
رغم الطابع التأبيني، حمل الخطاب رسائل واضحة لجهة الردع: وصف الطبطبائي بمنظّم العمليات و”مدبّر” المعارك يذكّر الخصم بقدرات مؤسسية عملية (تنظيم، تنسيق نيران، برمجة طائرات وصواريخ). هذا التذكير هو إشارة عملية مفادها أن الضربة لن تفرغ النظام من قدراته وأن الردّ ليس بالضرورة محدداً بوقت قريب لكنه محتمل ومُؤَدّى عنه متى اقتضت المصلحة أو خُرقت مصالح الردع. وكانت تقريرات دولية ذكرت أن الحزب “يترك توقيت الرد” بيده، وهو ما يتناسب مع النبرة المحافظة في خطاب قاسم.
ثالثاً: الخلفية السياسية الوطنية والإقليمية:
لم يغفل الامين العام عن البُعد الوطني: دعواته لـ”استراتيجية دفاعية” يتكرر فيها الشق الذي يحاول إدخال الجيش والشعب في محور المواجهة، لكن بصيغة لا تُخضع الحزب للضغوط الإقليمية أو المحلية.
هنا يمكن الحديث عن تكتيك مزدوج: يُظهر حرص الحزب على توسيع قاعدة المقاومة إلى ما يشبه “مشروع وطني” دون التخلي عن عناصر السيطرة والقيادة المركزية لدى الحزب. اما على المستوى الإقليمي، يرسل الخطاب رسالة إلى إيران وحلفائها: أن فقدان قادة ميدانيين لا يغيّر التزام محور المقاومة، وأن عناصر الترابط مع ساحات أخرى (غزة، اليمن) مستمرة.
رابعاً: المؤشرات التشغيلية والمتوقّعات الميدانية:
من الخطاب نستدل على أن الحزب سيمضي في مزيج من الخطوات:
– تثبيت نظم القيادة والتمركزات البديلة لتقليل أثر اغتيالات مستقبلية
– تكثيف عمليات استخباراتية وتخطيطية تُحسّن من قدرة الانتقام المستهدف بدل الانخراط في حرب شاملة فورية.
– إبقاء “خيار الحرب” قابلاً للظهور كأداة ضغط سياسية، أي سياسة “إبقاء السيف مرفوعاً” دون قطعٍ فوري لممرات التهدئة. فالتصريحات الصحفية عن أنه “يُحتفظ بحق الردّ وتحديد توقيته” تؤكد هذه الخلاصة.
خامساً: مخاطرة الانزلاق والاعتبارات الاستراتيجية:
يعمل الخطاب على الموازنة بين تعبئة الحلفاء وجمهور الحزب من جهة، وتجنّب فتح حرب شاملة من جهة أخرى. مع ذلك، تحويل اغتيال قيادي بهذه المواصفات إلى حدث محفز قد يرفع من مخاطر “تصعيد تدريجي”، خاصة إذا تبنّت تل أبيب نهجاً يكثّف الضربات للقيادات أو البنى التحتية.
هنا يكمن الخطر: معارضة داخلية وضغوط دولية قد تضغط على بيروت لتفادي مزيد من الانهيار، بينما يبقى الحزب مصمماً على إبقاء قدراته المسلحة كحجر أساس في معادلته.
الخلاصة:
شكلت كلمة الشيخ قاسم دليلا على إدارة محكمة للأزمة، فهي أعادت تركيب المعنى السياسي للاغتيال، رسخت شرعية وهياكل الحزب، وأرسلت رسائل متعددة المستويات حول جدّية الردّ وإمكانية ضبط توقيته.
فاستراتيجياً، الحزب اختار مسار التحصين الداخلي والردع المرن، ليس للاشتعال الفوري، بل للحفاظ على تكتيكات الضغط والردع المتاحة لديه. ذلك لا يجعل الاحتمال العددي للتصعيد صفراً؛ لكنه يحوله إلى لعبة إيقاعات زمنية وحسابات دقيقة أكثر من كونها اندفاعاً عاطفياً نحو مواجهة مفتوحة.





