غير مصنف

رجل العام .… لبنان يختار حسب “الجهة الدافعة”

خاص – بيروت بوست

في أي بلد طبيعي، يُختار رجل العام بناءً على إنجازٍ ما.
أما في لبنان، فيُختار بناءً على: من سأل؟ من دفع؟ وأي جمهور كان مستيقظًا وقت التصويت؟


خلال أيام قليلة، اكتشف اللبنانيون أن جوزاف عون، نبيه بري، رودولف هيكل، وسمير جعجع جميعهم “رجال العام” .… كلٌّ بحسب الموقع، الشركة، أو الصفحة الفيسبوكية التي قرّرت فجأة أن تلعب دور التاريخ.


موقع إلكتروني “وطني سيادي تغييري” أعلن أن جوزاف عون هو رجل العام لأنه “يمثّل الاستقرار”. الاستقرار هنا لا يعني إنجازًا محددًا، بل القدرة الخارقة على إتقان فنّ نادر في الحياة السياسية اللبنانية: أن تكون حاضرًا من دون أن تكون موجودا، فلا هو مع، ولا هو ضد، ولا هو “يمكن”. هو هناك .… فقط هناك.


في الجهة المقابلة، شركة استطلاعات مخضرمة، تعود خبرتها إلى زمن الهاتف الأرضي والدفتر الكربوني، قررت أن نبيه بري هو رجل العام. المنطق بسيط: إذا كان الرجل حاضرًا منذ ثلاثين عامًا، فلماذا لا يكون حاضرًا هذه السنة أيضًا؟ الاستطلاع أثبت أن بري لم يفز فقط بأصوات الناس، بل بأصوات الزمن نفسه. رجل العام، وربما رجل الأعوام القادمة أيضًا، طالما أن “الاستمرارية” باتت إنجازًا بحد ذاتها.


ثم دخل على الخط موقع “أمني-استراتيجي-غامض”، ليعلن أن رودولف هيكل هو رجل العام. السبب؟ لأنه لا يتكلم كثيرًا، لا يختلف مع أحد، ولا يظهر إلا حين يُطلب منه. إنجاز نادر في بلد يعتبر الصمت مشروعًا مشبوهًا.


وطبعًا، لا تكتمل الكوميديا من دون استطلاع يؤكد أن سمير جعجع هو رجل العام. لماذا؟ لأنه “واضح، صريح، وموقفه معروف”. أي أنه الرجل الوحيد الذي إذا قال “نعم” يفهمها نصف البلد “لا”، والنصف الآخر يعتبرها “بطولة”. استطلاع جعجع كان الوحيد الذي سجّل نسبة مشاركة عالية من المؤيدين والمعارضين معًا… كلٌّ صوّت بدافع مختلف، لكن النتيجة واحدة: جعجع حاضر سواء أحببته أو كرهته.


وهكذا، في أقل من أسبوع، صار للبنان أربعة رجال عام، من دون أن يتغيّر شيء في البلد، لا كهرباء، لا اقتصاد، ولا حتى استطلاع واحد متفق عليه.
فلو أجرينا استطلاعًا عن أسوأ سنة، لاتفَق الجميع… لكن عن أفضل رجل؟ مستحيل.
أما المواطن اللبناني، فتابع النتائج وهو يضحك بمرارة، قبل أن يقول: “رجل العام الحقيقي هو اللي عرف يطلع من كل هالقصة بلا استطلاع”.


عليه، يبدو أن رجل العام في لبنان ليس شخصًا، بل مرآة: كل جهة ترى فيها من يشبهها، وكل استطلاع يختار الرجل الذي يريحه، فيما البلد يربح لقبًا واحدًا فقط…
بلد العام في إنتاج استطلاعات بلا نتيجة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى