
خاص – بيروت بوست
يشكّل الاجتماع الاستثنائي الذي عقده رودولف هيكل في اليرزة مؤشراً سياسياً – عسكرياً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان، وعلى حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة العسكرية في ظل التصعيد مع الجيش الإسرائيلي والتطورات الإقليمية المتسارعة.
ويمكن قراءة مضمون الاجتماع ضمن ثلاثة مستويات مترابطة: الرسالة العسكرية، الرسالة السياسية الداخلية، والرسالة الإقليمية.
أولاً: البعد العسكري – إدارة الأزمة لا خوض الحرب
واضح أن خطاب قائد الجيش يعبّر عن مقاربة إدارة الأزمة العسكرية وليس الانخراط في مواجهة مفتوحة. فإشارته إلى أن الحل “ليس عسكرياً فقط” تعكس إدراك القيادة العسكرية لعدة معطيات أساسية:
– اختلال ميزان القوى العسكري بين لبنان وإسرائيل، ما يجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة للغاية.
– محدودية الإمكانات اللوجستية والمالية للجيش اللبناني في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عام 2019.
– تشابك الساحة اللبنانية مع الصراع الإقليمي، ما يضع الجيش في موقع حساس بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
لذا يمكن فهم حديثه عن إعادة التموضع وإعادة التمركز جنوب الليطاني باعتباره إجراءً دفاعياً يهدف إلى:
– حماية الوحدات العسكرية من الاستهداف المباشر.
-الحفاظ على القدرة العملياتية للمؤسسة.
– منع استنزاف الجيش في مواجهة غير متكافئة.
ثانياً: دلالات الإنزال في الخريبة – حرب استخباراتية
إشارة قائد الجيش إلى أن القوة المنفذة للإنزال في الخريبة – النبي شيت ارتدت بزات مشابهة للجيش اللبناني واستخدمت آليات مشابهة لسيارات الهيئة الصحية الإسلامية تحمل دلالات خطيرة، إذ تشير إلى تصعيد في الحرب الاستخباراتية والعمليات الخاصة.
هذه الرسالة تحمل عدة أهداف محتملة:
– تحذير الجيش من محاولات اختراق أو تضليل ميداني قد تؤدي إلى فوضى أو اشتباك داخلي غير مقصود.
– تنبيه الرأي العام إلى مستوى التعقيد الأمني الذي قد يشمل عمليات خداع عسكري.
– تحميل إسرائيل مسؤولية أي تداعيات قد تنتج عن هذا النوع من العمليات.
كما أن ذكر هذه التفاصيل علناً يشير إلى أن القيادة العسكرية تسعى إلى رفع مستوى اليقظة داخل المؤسسة العسكرية.
ثالثاً: الرسالة السياسية الداخلية – حماية المؤسسة
من أهم ما ورد في خطاب قائد الجيش تأكيده أن الجيش يقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين. وهذه العبارة ليست تفصيلاً، بل تعكس قلقاً حقيقياً من احتمال:
– استغلال الأزمة العسكرية لإحداث انقسام سياسي داخلي.
– محاولة جرّ الجيش إلى اصطفافات داخلية.
وبالتالي فإن الرسالة الأساسية هنا هي أن الجيش يريد حماية نفسه كمؤسسة وطنية جامعة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
رابعاً: الجنوب وإعادة التموضع – قراءة استراتيجية
إعلان الجيش تنفيذ إعادة تمركز جنوب الليطاني يمكن قراءته ضمن سيناريوهين محتملين:
– السيناريو الأول: تحضير دفاعي وهو الأكثر ترجيحاً، حيث يسعى الجيش إلى:
– حماية وحداته من الاستهداف
– الحفاظ على خطوط الانتشار الأساسية
– منع الانجرار إلى اشتباك مباشر.
السيناريو الثاني: تحضير لمرحلة سياسية جديدة
قد تكون إعادة التموضع جزءاً من إعادة تنظيم الانتشار تحسباً لأي ترتيبات دولية محتملة في الجنوب، خصوصاً إذا تصاعد الضغط الدولي لضبط الحدود.
خامساً: الحدود اللبنانية السورية – بعد أمني إقليمي
حديث قائد الجيش عن تعزيز الانتشار على الحدود اللبنانية السورية يحمل دلالتين أساسيتين:
– منع تسلل أي عناصر مسلحة أو عمليات تهريب قد تستغل الفوضى الإقليمية.
– تجنب فتح جبهة أمنية إضافية في وقت يتركز فيه التوتر على الجبهة الجنوبية.
كما أن الإشارة إلى التواصل مع السلطات السورية تعكس رغبة في تنسيق أمني يمنع توسع التوتر إلى الحدود الشرقية.
سادسا: التقدير الاستراتيجي للموقف
يمكن تلخيص تقدير الموقف في النقاط التالية:
– الجيش اللبناني يسعى إلى البقاء خارج المواجهة المباشرة مع إسرائيل قدر الإمكان.
– الأولوية الاستراتيجية للقيادة العسكرية هي الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية.
– الجنوب يشهد مرحلة إعادة تنظيم للانتشار العسكري تحسباً لأي تطور ميداني.
– القيادة العسكرية تدرك أن الحل النهائي للأزمة سيكون سياسياً ودولياً أكثر منه عسكرياً.
سابعا: الخلاصة
إن خطاب قائد الجيش لا يعكس مجرد موقف عسكري تقليدي، بل يمثل إعلاناً ضمنياً عن استراتيجية “احتواء الأزمة”. فالقيادة العسكرية تدرك أن لبنان يقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة، وأن أكبر تحدٍ ليس فقط مواجهة العدوان الإسرائيلي، بل منع انهيار التوازن الداخلي للدولة.
وبناءً عليه، يمكن القول إن الجيش يحاول اليوم القيام بدور صمام الأمان الوطني في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الانقسامات السياسية والتوترات الإقليمية.





