
خاص – بيروت بوست
بين بيان كتلة الوفاء للمقاومة، وسلسلة المواقف الرسمية الصادرة عن قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ومجلس الوزراء، حول حصر السلاح وبسط سلطة الدولة جنوب الليطاني، يمكن استخلاص مشهد سياسي – استراتيجي مركّب، يقوم على ازدواجية الخطاب ووحدة القلق، وتناقض المقاربات وإن تلاقت العناوين.
أولاً: اختلاف السرديات… ووحدة الضغط
ينطلق بيان الكتلة من “سردية دولية”، تعتبر أن ما يجري في لبنان ليس ملفاً داخلياً معزولاً، بل حلقة في مسار دولي تقوده الولايات المتحدة لإعادة تشكيل النظام العالمي بالقوة، عبر العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية.
في هذا الإطار، يُدرج ملف حصر السلاح جنوب الليطاني ضمن خانة “الإملاءات الخارجية” و”الابتزاز الدولي”، لا كخيار سيادي لبناني.
في المقابل، انطلقت بيانات الجيش والرؤساء الثلاث ومجلس الوزراء من سردية مختلفة ظاهرياً، عنوانها:
حماية السلم الأهلي، تجنيب لبنان الانزلاق إلى حرب شاملة، تثبيت مرجعية الدولة، والالتزام بالقرار 1701 ووقف إطلاق النار
لكن، ورغم هذا التباين في اللغة، يلتقي الطرفان على توصيف واحد غير معلن: لبنان يعيش تحت ضغط دولي غير مسبوق، وأن هامش المناورة ضيق، والخطر وجودي.
ثانياً: الجيش بين منطق الدولة ومنطق الاشتباك السياسي
جاء بيان قيادة الجيش حول حصر السلاح جنوب الليطاني بصيغة تقنية – أمنية محسوبة، تؤكد:
أن الجيش ينفذ ما تقرره السلطة السياسية، أن الهدف منع الانفجار الكبير، أن المقاربة تدريجية وليست صدامية.
وهنا بيت القصيد: الكتلة، في نصها، لا تصادم الجيش مباشرة، بل تُدرجه ضمن معادلة “الدولة والشعب والجيش والمقاومة”، أي أنها تحاول نزع الطابع التصادمي بين موقفها وبين المؤسسة العسكرية، لكنها في الوقت نفسه ترفض تحويل الجيش إلى أداة تنفيذ لضغوط خارجية.
بمعنى آخر، الكتلة لا تعارض الجيش، لكنها تعارض السياق السياسي الدولي الذي ترى أن الجيش يتحرك ضمنه.
ثالثاً: الرؤساء الثلاث… تثبيت الدولة أم إدارة الخطر؟
حملت بيانات رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة تقاطعاً نادراً: دعم الجيش، التمسك بحصر قرار السلاح بيد الدولة، ربط الاستقرار الداخلي بالشرعية الدولية.
لكن هذا التقاطع لا يعني وحدة رؤية كاملة، بل وحدة خوف: من انفلات أمني، من حرب إسرائيلية شاملة، من عقوبات أو عزلة دولية.
تقاطع رئاسي قرأه بيان “الوفاء للمقاومة” على أنه تنازل وقائي أكثر منه خياراً سيادياً، محذرا من أن أي خطوة غير متوازنة في ملف السلاح قد تتحول من “إدارة أزمة” إلى مدخل لابتزاز سياسي وأمني.
رابعاً: جنوب الليطاني… بين منطق وقف النار ومنطق الصراع المفتوح
اللافت أن الطرفين يستندان إلى وقف إطلاق النار 27/11/2024، لكن بتفسيرين مختلفين:
– الدولة ترى فيه أرضية لإعادة الإمساك الأمني وبسط السلطة
– حزب الله، من خلال كتلته النيابية، يراه التزاماً مشروطاً بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات.
من هنا تنشأ المفارقة الاستراتيجية:
– الدولة تقول: حصر السلاح يمنع الحرب
-الحزب يقول: حصر السلاح قبل انسحاب إسرائيل قد يفتح باب الحرب
خامساً: تقدير موقف
نحن أمام صراع سرديات لا صراع مؤسسات:
– لا أحد يريد مواجهة داخلية، لكن كل طرف يحاول تثبيت روايته لما يجري.
– الجيش هو نقطة التوازن الهش: أي تحميله أكثر من قدرته السياسية قد يزجه في صراع هو بغنى عنه.
– الملف أبعد من جنوب الليطاني: هو اختبار للسيادة، ولموقع لبنان في النظام الإقليمي والدولي.
– المرحلة المقبلة مرحلة إدارة وقت: لا حسم قريباً، بل محاولات لشراء الاستقرار وتأجيل الانفجار.
– الخطر الحقيقي يكمن في غياب رواية وطنية جامعة، ما يجعل كل خطوة أمنية قابلة للتأويل السياسي الحاد.
عليه فان بيان الكتلة وبيانات الدولة لا يتحاربان مباشرة، لكنهما يتواجهان “تحت الطاولة” في الشكل:
الأول يرفع راية السيادة في وجه الخارج، والثاني يحاول حماية الدولة من الخارج .… وبينهما لبنان يمشي على حافة الهاوية، محكوماً بمعادلة دقيقة:
لا سلاح بلا دولة، ولا دولة بلا حماية من الانهيار الشامل ….





