
خاص – بيروت بوست
بوصفنا أمام خطاب سياسي محسوب في التوقيت والمضمون، يمكن مقاربة كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ضمن تقدير موقف استراتيجي يلامس ثلاثة مستويات مترابطة: إدارة الداخل، توجيه الرسائل السياسية، والتحصّن في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.
أولاً: البعد الداخلي – تثبيت الاستقرار ومنع الانفجار
يستهل الشيخ قاسم خطابه بالتأكيد على “وأد الفتنة في مهدها”، وهي عبارة ليست توصيفية بقدر ما هي إعلان موقف سياسي وأمني، حيث المقصود هنا ليس فقط نفي وقوع فتنة، بل التأكيد أن المنظومة الثلاثية (الجيش – المقاومة – الشعب) ما زالت قائمة وفاعلة، رغم محاولات ضربها عبر التوترات الأمنية، والضغط الاقتصادي، والحرب النفسية.
ويهدف هذا الخطاب إلى:
– طمأنة البيئة الداخلية، ولا سيما في الجنوب والضاحية.
– قطع الطريق على أي سردية تقول إن لبنان يقف على حافة صدام داخلي.
– إعادة تثبيت معادلة “الاستقرار الممسوك” بوجه من يراهن على الفوضى.
اللافت أن الشيخ قاسم لم يسمِّ الجهات التي “كانت تريد الفتنة”، مكتفيًا بالإيحاء، ما يعكس حرصًا على عدم التصعيد الداخلي وترك الباب مواربًا أمام التسويات السياسية.
ثانياً: إعادة الإعمار وحصرية السلاح – قلب المعادلة
تتعلق الفقرة الأكثر دلالة في الخطاب بربط إعادة الإعمار بحصرية السلاح. هنا يتعامل حزب الله مع هذا الطرح بوصفه أداة ضغط سياسية لا مطلبًا إصلاحيًا، حيث يقدم الامين العام سردية مضادة مفادها:
– أن إعادة الإعمار حق وضرورة وطنية لا يمكن رهنها بشروط سياسية.
– أن طرح حصرية السلاح كشرط مسبق هو محاولة لتعطيل التعافي وإبقاء الجنوب في حالة إنهاك.
– أن هذا الملف نوقش بوضوح مع الرئيس نبيه بري، ما يعني أن الثنائي الشيعي يتعامل مع المرحلة بمنطق واحد وخطة واحدة.
فإدراج الاستحقاق الانتخابي ضمن هذا السياق ليس تفصيلاً، بل رسالة بأن الحزب:
– لا يرى الانتخابات خطرًا عليه.
– مستعد للتعاون لإجرائها في موعدها.
– يرفض استخدام الأوضاع الأمنية أو الإعمار ذريعة للتأجيل أو الابتزاز.
ثالثاً: تحصين التحالف مع حركة أمل – رسالة مزدوجة
تأكيد الشيخ قاسم أن محاولات التفريق بين حزب الله وحركة أمل “فشلت” يتجاوز الطابع التطميني، ليشكّل رسالة ردع سياسية لكل من:
– يراهن داخليًا على تصدّع الثنائي.
– يحاول خارجيًا اللعب على التناقضات داخل الطائفة الشيعية.
فوصفه التحالف بأنه “جسد واحد” يعكس:
– وحدة القرار في الملفات الكبرى.
– تنسيقًا عالي المستوى في الاستحقاقات المقبلة.
– استعدادًا لمواجهة مرحلة ضغوط طويلة، لا تسويات سريعة.
يكتسب هذا التماسك أهمية إضافية في ظل التحولات الإقليمية، ومحاولات إعادة خلط الأوراق في لبنان.
رابعاً: إسرائيل والبعد البيئي – توسيع مفهوم العدوان
إشارة الشيخ قاسم إلى استهداف المدنيين ورشّ المبيدات السامة على المزروعات تمثل نقلة في توصيف العدوان الإسرائيلي. فبدلاً من حصره في الإطار العسكري، يجري تقديمه كعدوان: اقتصادي،
بيئي، اجتماعي، اذ كان الهدف من هذا الخطاب:
– توسيع دائرة التعاطف الداخلي والخارجي.
– إدخال الملف البيئي في أي نقاش دولي حول الجنوب.
– تحميل إسرائيل مسؤولية “تدمير الحياة” لا فقط خرق السيادة.
خامساً: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة – إدارة العلاقة مع الدولة
في مقاربته لرئيس الجمهورية، اعتمد الشيخ قاسم نبرة دفاعية غير تصادمية. فهو لا يهاجم، بل يحذّر من محاولات دفع الرئيس إلى صدام مع حزب الله. هذه المقاربة تعكس:
-رغبة الحزب في إبقاء العلاقة مع بعبدا ضمن سقف مضبوط.
– إدراكه لحساسية الموقع الرئاسي في هذه المرحلة.
– رفضه تحويل الرئاسة إلى أداة مواجهة داخلية.
في المقابل، يثمّن زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب، ويشيد بإعلانه بدء الإعمار دون انتظار توقف العدوان. هذا الثناء ليس بروتوكوليًا، بل حمل:
– دعمًا سياسيًا واضحًا للحكومة في هذا المسار.
– محاولة لخلق تقاطع مصالح بين الدولة والمقاومة.
– رسالة للخارج بأن هناك قرارًا لبنانيًا داخليًا بالمضي قدمًا.
سادسا: خلاصة تقدير الموقف
يمكن اعتبار خطاب الشيخ نعيم قاسم خطاب تثبيت خطوط حمراء لا خطاب تصعيد. فهو إعلان أن:
– الاستقرار الداخلي أولوية.
– التحالفات الأساسية صلبة.
– إعادة الإعمار غير قابلة للمقايضة.
– العلاقة مع مؤسسات الدولة تُدار بالحساب لا بالمواجهة.
في المحصلة، يقدّم حزب الله نفسه في هذا الخطاب كقوة تدير الأزمة ولا تنفجر بها، وتستعد لمرحلة طويلة من الضغوط، مع رهان واضح على الصمود الداخلي، وتماسك الحلفاء، وإبقاء الدولة في موقع الشريك لا الخصم.





