تقدير موقف استراتيجي | خطاب الرئيس ترامب حول حالة الاتحاد

خاص – بيروت بوست
فيما يلي تقدير موقف وتحليل استراتيجي لخطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الكونغرس في ٢٦ شباط 2026، مع الأخذ بعين الاعتبار السياق السياسي الراهن في الولايات المتحدة والعالم:
١. الخلفية السياسية والسياق الزمني:
واجه الرئيس ترامب قبل إلقاء الخطاب، تحديات جوهرية في الداخل:
– استياء شعبي واسع من أداء الإدارة، مع أن استطلاعات أظهرَت أن نحو 60٪ من الأميركيين غير راضين عن أدائه عمومًا، خاصة في التعامل مع الاقتصاد وتكاليف المعيشة.
– قرار المحكمة العليا الأميركية الذي أضعف أحد أدواته الرئيسية (سياسة التعريفات الجمركية)، ما شكّل ضربة لخطابه وجدار دعائمه الاقتصادية قبل أيام قليلة من العرض.
– يقاتل الحزب الجمهوري للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس قبل انتخابات منتصف الولاية التي تمثل تهديدًا تقليديًا لأحزاب الحاكم.
فالخطاب لم يكن مجرد تقرير سنوي؛ بل كان استراتيجية سياسية مركزية لتحسين موقف ترامب وحزبه قبل انتخابات تشرين الثاني 2026.
٢. الرسائل الأساسية في الخطاب
أ. تصوير الولايات المتحدة كـ “أمة منتصرة”
حاول ترامب رسم صورة تفاؤلية عن الوضع الأميركي، مؤكدًا: انخفاض التضخم وارتفاع الدخول،
مكاسب سوق الأسهم، أن الحدود أكثر أمانًا، أن الاقتصاد “مزدهر كأنّه لم يحدث من قبل”.
رسائل موجهة في الأساس إلى قاعدة الناخبين المحافظة، وتحاول إقناع مترددي التصويت بأن الإدارة تحقق نتائج جديرة بالدعم في الانتخابات القادمة.
ب. مهاجمة المعارضين وتسييس الخطاب
لم يكتف ترامب بتقديم إنجازاته؛ بل:
– حمل الديمقراطيين مسؤولية المشاكل الاقتصادية والسياسات الداخلية.
– احتوى الخطاب على نبرة عدائية تجاه خصومه، وهو أسلوب سياسي يعزز الانقسام لتحفيز قاعدة ناخبيه على التعبئة الانتخابية.
ج. تركيز على الأمن والهجرة
يذكر في الخطاب إيران ويصورها كتهديد نووي وصاروخي، هدّف ترامب إلى:
– مخاطبة مشاعر الأمن القومي لدى جمهوره.
– لاستغلال المخاوف حول الهجرة غير القانونية وارتباطها بالجرائم (وهي رواية يكررها منذ سنوات).
هذا الخطاب في جوهره ردٌّ سياسي على تراجع شعبيته و محاولة لإعادة تشكيل إطار النقاش العام حول الأمن والهوية الوطنية.
٣. قراءة تحليلية في الاستراتيجية وراء الخطاب
أ. خطاب انتخابي أقرب من كونه تقريرًا رئاسيًا
على عكس رؤساء آخرين الذين يحافظون على نبرة مؤسساتية:
– ترامب استخدم خطابه كمنصة حملات انتخابية مبكرة لجذب الناخبين قبل انتخابات منتصف الولاية.
– ركّز على القصص والرموز الوطنية (منح أوسمة للرياضيين والمحاربين القدماء)، ما يهدف إلى خلق خطاب عاطفي يعزز الولاء.
ب. تعميق الانقسام السياسي
الانقسامات داخل الكونغرس، من مقاطعة عدد كبير من الديمقراطيين للخطاب إلى الانفعالات الحادة داخل القاعة، تُظهر:
– أن الخطاب لم يكن محاولة للتوافق، بل تعزيز التحزّب السياسي.
– اعتمد ترامب اعتمد على خطاب استفزازي ومواجهة مباشرة، ما قد يقوي القاعدة ولكنه يزيد من استقطاب الأقليات والمترددين.
٤. نقاط الضعف في الرسالة الاستراتيجية
أ. فجوة بين الرسالة والواقع المعيشي
رغم ادعاءات ترامب عن انتعاش اقتصادي، فإن معظم استطلاعات الرأي وما يلاحظه المواطن العادي يتمحور حول:
– ارتفاع تكاليف المعيشة والفوائد على الأسر العاملة.
– شعور عام بعدم التحسن الفعلي في الحياة اليومية.
وبالتالي، فإن خطابًا يركز على مؤشرات سوق الأسهم قد لا يلقى صدى لدى الناخبين المتضررين فعليًا من غلاء المعيشة.
ب. مخاطرة الاستقطاب العنيف
قد يقوي الأسلوب الهجومي القاعدة، لكنه:
– يضعف إمكانيات التحالف مع الناخبين غير التقليديين.
– يعزز موقف المعارضة في رسم ترامب كقائد منقسم وشخصيّ أكثر من كونه مؤسساتي.
٥. تقدير موقف في الأفق القصير والمتوسط
أ. على مستوى الانتخابات المنتظرة
يظهر الخطاب استراتيجية “حشد القاعدة” أكثر من كونه محاولة لكسب التأييد العام، ما يشير إلى:
– فوز محتمل لدى الجمهوريين في دوائر محسوبة إذا نجحت استراتيجية الإقناع.
– في المقابل، ارتفاع احتمال تحفيز المعسكر الديمقراطي للردّ على ما وصفوه بأنه خطاب مثير للانقسامات.
ب. على مستوى السياسة الخارجية
يعكس التركيز على إيران وتحميلها مسؤولية التهديدات:
– رغبة في تعزيز منظور أمني قوي لدى الناخبين المحافظين.
– يضع واشنطن في مسار تصعيد محتمل في الشرق الأوسط، ما يحمل مخاطر جيوسياسية لو توسّع التصعيد.
٦- الاستنتاج الاستراتيجي
خطاب حالة الاتحاد لترامب في شـباط 2026 هو أقلّ من كونه تقييمًا رئاسيًا سنويًا وأكثر منه أداة سياسية مركزية تستهدف:
-️ إعادة تشكيل الرأي العام لصالح الجمهوريين قبل الانتخابات القادمة.
– تعزيز سردية الانتصار والأمن القومي في مواجهة انتقادات داخليّة.
– مخاطبة القاعدة الانتخابية بمحتوى عاطفي وجذري.
لكن من الناحية الواقعية، ثمة فجوة بين الخطاب والواقع الاقتصادي والاجتماعي للفئات الوسطى في أميركا، مما قد يُترجم إلى صعوبات في جلب دعم أوسع خارج القاعدة الجمهورية التقليدية.





