تقدير موقف استراتيجي | تداعيات الصراع بين واشنطن و”الناتو” في غرينلاند على المواجهة مع روسيا

خاص – بيروت بوست
يشكّل التوتر بين واشنطن وبعض الشركاء داخل حلف شمال الأطلسي حول غرينلاند تطورًا بالغ الدلالة في لحظة دولية تتسم بتصاعد المواجهة مع روسيا. فغرينلاند ليست مجرد إقليم تابع للدنمارك، بل حلقة مركزية في معادلة الردع في القطب الشمالي وشمال الأطلسي.
عليه، فإن أي خلاف داخل المعسكر الغربي حول إدارة هذا الموقع الحساس ينعكس مباشرة على ميزان الصراع مع موسكو، التي تراقب بدقة تماسك خصومها وقدرتهم على تنسيق استراتيجياتهم في المسارح الحيوية.
أولًا: غرينلاند في قلب معادلة الردع مع روسيا
– الأهمية العسكرية – الجيوستراتيجية
تمثل غرينلاند نقطة ارتكاز أساسية في منظومة الإنذار المبكر الأميركية، ولا سيما في ما يتعلق بالصواريخ العابرة للقارات القادمة عبر القطب الشمالي، كما انها تشكّل أيضًا حلقة وصل بين أميركا الشمالية وأوروبا، ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في أي سيناريو مواجهة كبرى مع روسيا.
– القطب الشمالي كساحة صراع صاعدة
استثمرت روسيا خلال العقدين الأخيرين بكثافة في عسكرة القطب الشمالي، عبر تحديث قواعدها الجوية والبحرية وتعزيز أسطولها الشمالي. من هنا، تُعد غرينلاند خط تماس غير مباشر بين مشروعين: الردع الغربي ومحاولة موسكو كسر الطوق الجيوستراتيجي المفروض عليها.
ثانيًا: دلالات الخلاف الأميركي – الأطلسي
– تآكل وحدة القرار داخل “الناتو”
يعكس الخلاف حول غرينلاند تباينًا في الرؤى بين واشنطن، التي تنطلق من مقاربة أمن قومي صارمة، وبعض الحلفاء الأوروبيين الذين يركزون على السيادة والشرعية القانونية وتوازن المصالح. تباين يضعف سرعة وفعالية اتخاذ القرار داخل الحلف.
– رسالة التردد إلى موسكو
من منظور روسي، أي شرخ، حتى وان محدود، داخل “الناتو” يُقرأ كفرصة استراتيجية. فالتباينات حول غرينلاند قد تُفسَّر في موسكو كدليل على أن وحدة الغرب ليست صلبة كما تبدو، ما يشجعها على اختبار الخطوط الحمراء في القطب الشمالي أو في مسارح أخرى كأوكرانيا والبلطيق.
– إرباك في إدارة الردع
يتطلب الردع الفعال وضوحًا في القيادة وتماسكًا في المواقف، اذ ان الخلاف الأميركي – الأوروبي حول غرينلاند يخلق ضبابية حول من يملك الكلمة الفصل في إدارة هذا المسرح الحساس، ما قد يضعف مصداقية الردع الأطلسي.
ثالثًا: التداعيات الاستراتيجية على الصراع مع روسيا
– تعزيز هامش المناورة الروسي
قد تستغل موسكو الخلاف لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في القطب الشمالي، سواء عبر تكثيف الدوريات أو فرض وقائع جديدة في الممرات البحرية الشمالية، مستفيدة من انشغال الغرب بخلافاته الداخلية.
– ضغط إضافي على الحلفاء الأوروبيين
قد تراهن روسيا على تعميق الفجوة بين واشنطن وأوروبا عبر سياسات تفريق المصالح، كاستخدام أدوات الطاقة أو الأمن البحري، ما يضعف الجبهة الغربية الموحدة في مواجهة التحدي الروسي.
-إعادة حسابات الردع النووي
يشكل القطب الشمالي مسرحًا مركزيًا للتوازن النووي، حيث ان اي خلل في التنسيق حول غرينلاند قد يفرض على واشنطن إعادة النظر في ترتيبات الردع والإنذار المبكر، وربما تعزيز الانتشار الأحادي، وهو ما قد يثير حساسيات أوروبية إضافية.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
– سيناريو إعادة التماسك الأطلسي
تدرك واشنطن وأوروبا خطورة الخلاف في ظل التحدي الروسي، فيتم احتواؤه عبر تفاهمات واضحة حول إدارة غرينلاند، ما يعيد تثبيت وحدة “الناتو” ويحد من قدرة موسكو على الاستفادة من التباينات.
– سيناريو التوتر المنضبط
يستمر الخلاف دون انفجار، مع بقاء التعاون العسكري قائمًا لكن بفاعلية أقل. في هذا السيناريو، تستفيد روسيا نسبيًا من تراجع الزخم الغربي، دون أن تصل إلى مكاسب استراتيجية حاسمة.
– سيناريو التصعيد غير المباشر
في حال تعمّق الخلاف، قد تلجأ موسكو إلى خطوات أكثر جرأة في القطب الشمالي، لاختبار رد فعل “الناتو”، ما يرفع منسوب المخاطر ويزيد احتمالات سوء التقدير.
خامسا: تقدير الموقف
الصراع بين واشنطن وبعض شركائها في “الناتو” حول غرينلاند، وإن بدا محدودًا في شكله، يحمل تداعيات استراتيجية مباشرة على المواجهة مع روسيا، الا انه يهدد بتقويض تماسك الردع الأطلسي في واحدة من أكثر الساحات حساسية في النظام الدولي.
ففي ميزان الصراع مع موسكو، لا تُقاس الخطورة فقط بميزان القوة العسكرية، بل بمدى وحدة القرار السياسي. من هنا، فإن قدرة الغرب على احتواء هذا الخلاف ستشكّل عاملًا حاسمًا في منع روسيا من تحويل القطب الشمالي من ساحة ردع متوازن إلى مسرح تفوق استراتيجي لصالحها.



