
خاص – بيروت بوست
يندرج خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية، ضمن محاولة واضحة لإعادة صياغة السردية الوطنية حول الأزمة اللبنانية، وتحديدًا في ما يتعلق بسلاح حزب الله ودوره، وعلاقة لبنان بالمحاور الإقليمية. ويمكن مقاربة هذا الموقف عبر ثلاث مستويات: السياق، الرسائل الضمنية، والتداعيات المحتملة.
أولًا: في السياق العام
يأتي هذا الخطاب في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية الناتجة عن حرب إسناد غزة مع أزمات داخلية بنيوية. فاستحضار مرحلة 1992-1994 ليس تفصيلاً عابرًا، بل محاولة لإعادة فتح ملف عدم استكمال تطبيق اتفاق الطائف، وتحديدًا مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. كما أن الربط بين محطات 2005 (خروج الجيش السوري) و2024 (اتفاق وقف إطلاق النار) يعكس سعيًا لتقديم مسار تاريخي متصل يُحمّل طرفًا واحدًا مسؤولية الانسداد.
ثانيًا: الرسائل السياسية والاستراتيجية
يحمل الخطاب عدة رسائل واضحة ومبطنة:
– نقل المسؤولية بالكامل إلى حزب الله:
يتم تصوير كل ما جرى منذ التسعينيات على أنه نتيجة مباشرة لاستمرار سلاح الحزب وخياراته الإقليمية، مع نفي أي مسؤولية ذاتية للقوى الأخرى.
إعادة تثبيت مرجعية القرارات الدولية:
التركيز على القرارات 1559 و1680 و1701 ليس فقط قانونيًا، بل هو محاولة لإعادة تدويل الأزمة اللبنانية، ووضعها ضمن إطار ضغط خارجي مشروع.
– فصل لبنان عن إيران:
تختصر عبارة “لبنان ليس إيران” جوهر الصراع الحالي: صراع هوية ودور. هنا يتم تقديم المواجهة كصراع بين مشروع دولة ومشروع محور.
– التمهيد لتفعيل مؤسسات الدولة بالقوة:
توحي الدعوة الصريحة إلى تحميل الأجهزة الأمنية والقضائية مسؤولية تنفيذ القرارات، بإمكانية الانتقال من الضغط السياسي إلى خطوات تنفيذية، ما قد يفتح الباب أمام احتكاكات داخلية خطيرة.
ثالثًا: الدلالات العميقة
اللافت في الخطاب هو الإصرار على راحة الضمير، وهي عبارة تُستخدم لتبرئة الذات سياسيًا وتاريخيًا، لكنها أيضًا تمهيد نفسي وسياسي لمرحلة أكثر تصعيدًا. بمعنى آخر، يتم القول: “لقد جرّبنا كل شيء، ولم يبقَ إلا الخيارات الصعبة”.
كما أن استحضار أسماء مثل رفيق الحريري ولقمان سليم يهدف إلى ربط الصراع الحالي بسلسلة اغتيالات، بما يعزز سردية المواجهة المفتوحة مع مشروع متكامل، وليس مجرد خلاف سياسي.
رابعًا: التقدير الاستراتيجي للموقف
يمكن قراءة هذا الخطاب كجزء من استراتيجية أوسع تقوم على:
– رفع السقف السياسي إلى الحد الأقصى تمهيدًا لفرض وقائع جديدة.
– استدراج دعم دولي عبر التلويح بتطبيق القرارات الأممية.
– إحراج الدولة اللبنانية ودفعها لاتخاذ موقف حاسم بين خيارين: المواجهة أو الاستمرار في التسوية الهشة.
لكن في المقابل، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر جدية:
– احتمال انزلاق داخلي إذا حاولت الدولة فرض قرارات بالقوة.
– تعميق الانقسام الطائفي والسياسي.
– فتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع تحت عنوان تنفيذ القرارات الدولية.
خامسًا: الخلاصة
نحن أمام خطاب لا يهدف فقط إلى توصيف الواقع، بل إلى الدفع نحو تغيير قواعد اللعبة. إنه إعلان سياسي عن نهاية مرحلة “إدارة الأزمة” وبداية التفكير في حسمها، ولو تدريجيًا.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن ميزان القوى الداخلي والإقليمي لا يزال معقدًا، ما يجعل أي محاولة للحسم الأحادي محفوفة بمخاطر كبيرة، وقد تقود إلى نتائج عكسية بدلًا من إنقاذ الدولة.





