خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | تحليل خطاب الشيخ نعيم قاسم دعما لايران في مواجهة ما تتعرض له

خاص – بيروت بوست

يمكن مقاربة كلام أمين عام حزب الله، على أنه خطاب تموضع استراتيجي عالي السقف، يتجاوز كونه موقفًا سياسيًا ظرفيًا، ليشكّل إعلانًا متكاملًا عن قواعد اشتباك سياسية – عسكرية – إقليمية في مرحلة شديدة الحساسية.

أولًا: الإطار العام: من الدفاع إلى الردع الاستباقي

ينطلق خطاب الشيخ نعيم قاسم من فرضية مركزية مفادها أن المنطقة باتت تُدار كوحدة صراع واحدة، وأن أي محاولة لفصل الساحات (لبنان، غزة، سوريا، إيران) لم تعد قابلة للحياة عمليًا. طرح لا يُستخدم هنا كتحليل نظري، بل كأساس لتبرير وحدة القرار والمصير، ولإسقاط أي ضغوط دولية أو إقليمية تهدف إلى تحييد لبنان عن أي مواجهة محتملة مع إيران.

فالخطاب، في جوهره، لا يعلن حربًا، لكنه يرفع مستوى الردع السياسي إلى أقصاه، عبر التأكيد أن حزب الله: ليس محايدًا، غير معني بتقديم تعهدات مسبقة، ويتعامل مع أي سيناريو عسكري محتمل باعتباره استهدافًا مباشرًا له.

ثانيًا: رسائل متعددة الاتجاهات

1. إلى واشنطن و تل أبيب
يحمل النص رسالة واضحة مفادها أن استراتيجية التجزئة (ضرب طرف ثم آخر) لن تُنتج نتيجة، وأن أي ضربة، سواء بدأت بإيران أو بحزب الله أو بكليهما، ستؤدي إلى توسيع رقعة الصراع.

هنا يبرز تحول لافت من منطق “الرد” إلى منطق منع تحقيق الأهداف، أي أن الحزب لا يربط تحركه فقط بالفعل العسكري المباشر، بل بالمسار الاستراتيجي العام الذي قد يؤدي إلى كسر محور المقاومة.

2. الرسالة إلى الوسطاء
كشفه عن طلب “تعهد بعدم التدخل” ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو: إحراج سياسي للوسطاء، ونقل للصراع من الغرف المغلقة إلى العلن، من جهة، وتأكيد أن زمن الضمانات المسبقة قد انتهى، من جهة أخرى.

3. الرسالة إلى الداخل اللبناني
يواجه الخطاب مسبقًا أي اتهام بجرّ لبنان إلى الحرب، عبر قلب المعادلة: من “المقاومة تضع لبنان في الخطر”، إلى “من يسلم لبنان للمشروع الأميركي – الإسرائيلي هو من يعرّضه للخطر”.
سرد يعيد إنتاج شرعية المقاومة بوصفها مشروع حماية سيادية، لا خيارًا أيديولوجيًا فقط.

ثالثًا: البعد العقائدي كعنصر تعبئة لا كبديل عن السياسة

يُلاحظ أن إدخال موضوع الولي الفقيه وتهديد الاغتيال لا يأتي في سياق عقائدي صرف، بل كجزء من: رفع منسوب الالتزام، وتوسيع دائرة التهديد بحيث لا تبقى محصورة بشخص أو تنظيم.

الخطاب هنا يقول ضمنيًا: أي استهداف للقيادة الإيرانية ليس حدثًا قابلًا للاحتواء، بل تفجير شامل للاستقرار الإقليمي. وهذا يهدف إلى ردع الخصم عبر تعظيم كلفة أي خطوة تصعيدية.

رابعًا: إيران كنموذج صمود لا كحليف فقط

يركّز النص بإسهاب على تجربة إيران: في مواجهة العدوان، في إحباط محاولات التفكيك الداخلي،
وفي الجمع بين القيادة والشعب والمؤسسات الأمنية.

الهدف الاستراتيجي من ذلك مزدوج: رفع معنويات جمهور محور المقاومة في لحظة ضغط، أولا،
والتأكيد أن خيار الصمود، رغم الكلفة، أثبت فعاليته مقارنة بخيار التنازل، ثانيا.
خامسًا: معركة الوعي قبل السلاح

يختزل الشيخ قاسم الصراع في معادلة حادة:
– الاستسلام = خسارة مطلقة
– الدفاع = احتمالات مفتوحة
هذه ليست فقط معادلة عسكرية، بل “حرب سرديات”، هدفها تثبيت قناعة أن المخاطرة بالدفاع، رغم أخطارها، أقل كلفة تاريخيًا من القبول بمنطق “السلام بالقوة”.

سادسًا: التقدير الاستراتيجي العام

يمكن استخلاص النقاط التالية:
– الخطاب يؤسس لمرحلة انتظار مشحونة، لا لحرب فورية.
– حزب الله يرفض التموضع كطرف ثانوي في أي معادلة إقليمية.
– القرار العسكري مؤجل زمنيًا لكنه غير مُقيّد سياسيًا.
– السقف المرتفع للخطاب يهدف إلى الردع أكثر من الاستفزاز.
– الرسالة الأساسية: أي حرب على إيران لن تكون قابلة للعزل أو الضبط.

سابعا: الخلاصة

نحن أمام خطاب لا يُقرأ كتهديد مباشر، بل كإعلان تموضع استراتيجي شامل، يرسم خطوطًا حمراء، ويغلق أبواب المناورة أمام الخصوم، ويعيد ربط لبنان بالمعادلة الإقليمية الكبرى، سواء أراد الداخل اللبناني ذلك أم لا.
إنه خطاب مرحلة، لا خطاب مناسبة، ويعكس قناعة راسخة بأن المنطقة دخلت زمن الخيارات الكبرى، لا أنصاف الحلول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى