
خاص – بيروت بوست
عكس بيان كتلة الوفاء للمقاومة تموضعًا سياسيًا حاسمًا في قلب الصراع الإقليمي والدولي، مؤكدا رفض أي رهان لبناني على المتغيرات الخارجية، مقابل التشديد على خيار المقاومة كضمانة وحيدة للأمن والسيادة.
البيان الذي حمّل الدولة مسؤولية التقصير في حماية المواطنين وإعادة الإعمار، اعتبر أن استمرار العدوان الإسرائيلي هو العائق الأساسي أمام الاستقرار والنهوض، كما يكرّس الارتباط الاستراتيجي بمحور إيران، ويرى في استهدافه تهديدًا مباشرًا للمنطقة برمّتها، ما يجعل الداخل اللبناني جزءًا لا يتجزأ من معادلة المواجهة الكبرى.
فيما يلي تقدير موقف وتحليل سياسي للبيان الصادر عن كتلة الوفاء للمقاومة بتاريخ 22/1/2026، من زاوية الشؤون السياسية اللبنانية والاستراتيجية الإقليمية:
أولاً: الإطار العام: تموضع في قلب الصراع الدولي
أتى بيان كتلة الوفاء للمقاومة في لحظة إقليمية ودولية شديدة التوتر، حيث تتقاطع المواجهة الأميركية – الإيرانية مع تصعيد إسرائيلي مستمر على الجبهة اللبنانية، ومع انسداد داخلي سياسي واقتصادي يعمّق هشاشة الدولة.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة البيان كنص داخلي لبناني صرف، بل كجزء من خطاب محور سياسي – أمني يسعى إلى تثبيت معادلاته في مواجهة ما يصفه ب”غطرسة الهيمنة الأميركية” و”العدوان الإسرائيلي”.
فالبيان إعتمد لغة صدامية واضحة تجاه الولايات المتحدة، ووضعها في موقع الخطر الوجودي على الأمن والسلم الدوليين، بما يعكس انتقال خطاب الحزب من الدفاع السياسي إلى الهجوم الاستباقي، واعتبار المواجهة مفتوحة سياسياً وإعلامياً وربما ميدانياً، استكمالا لكلام أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم.
ثانياً: البعد الإقليمي: تثبيت الارتباط الاستراتيجي بإيران
يبرز في البيان تركيز استثنائي على إيران وقيادتها، لا سيما عبر:
– اعتبار التهديد الأميركي للمرشد الإيراني تهديداً بإشعال المنطقة.
– تقديم إيران كنموذج مقاوم للشعوب “المستضعفة”.
– ربط صمود الشعب الإيراني بصمود محور المقاومة ككل.
يؤكد ما تقدم أن الحزب لا يزال يرى نفسه جزءاً عضوياً من معادلة إقليمية واحدة، وأن أي استهداف لإيران هو استهداف مباشر للبنان من وجهة نظره.
اما سياسياً، فيحمل ذلك رسائل مزدوجة:
– للداخل اللبناني: لا رهان على فكّ الارتباط بين الساحة اللبنانية والساحة الإيرانية.
– للخارج: أي ضغط على الحزب أو بيئته سيُقابل بتصعيد سياسي وربما أمني.
ثالثاً: نزع الشرعية عن الرهانات الخارجية
في الشق اللبناني، سعى البيان إلى:
– إسقاط أي رهان داخلي على المتغيرات الخارجية.
– تحميل القوى السياسية التي تراهن على الخارج مسؤولية الفشل التاريخي.
– إعادة تثبيت معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” كخيار وحيد للأمن الوطني.
اللافت هنا أن البيان لا يكتفي بالدفاع عن المقاومة، بل ينتقل إلى اتهام ضمني للدولة بالعجز والتخلّي عن واجباتها، سواء في الحماية أو إعادة الإعمار، وهو ما يعكس تحوّلاً من منطق “التكامل” إلى منطق المساءلة السياسية للدولة، بما يفتح الباب أمام:
– تبرير دور المقاومة كبديل جزئي عن الدولة.
– تعزيز شرعية التحرك خارج الأطر الرسمية بحجة غياب الدولة.
رابعاً: التصعيد الإسرائيلي:
استعراض الغارات الإسرائيلية وتسمية القرى المستهدفة ليس تفصيلاً، بل هو:
– توثيق سياسي للعدوان.
– تثبيت لمظلومية الجنوب.
– ضغط مباشر على الحكومة لتحمّل المسؤولية.
مع الاشارة الى ان البيان ربط بين الاستقرار الاقتصادي والنهوض الوطني بوقف العدوان، ما يعني عملياً تعليق أي أفق إصلاحي أو إنقاذي على المعادلة الأمنية، وليس على الإصلاحات أو التفاهمات الدولية.
خامساً: الرسائل الداخلية:
حمل البيان نبرة تحذيرية تجاه:
– خطاب التحريض والكراهية.
– انقسام اللبنانيين.
– مواقف داخل الحكومة تناقض بيانها الوزاري.
وهنا، وجّه الحزب رسالة واضحة مفادها أن الانقسام السياسي الداخلي بات جزءاً من التهديد الأمني، وأن أي خطاب معادٍ للمقاومة يُصنَّف في خانة الإضرار بالوحدة الوطنية. كما يعكس ذلك قلقاً حقيقياً من تآكل الغطاء السياسي الداخلي في ظل الضغوط الخارجية.
سادساً: إعادة الإعمار:
أكد البيان في ملف إعادة الإعمار:
– فشل الدولة في الإيفاء بالتزاماتها.
– وجود قوى دولية ومحلية تعرقل المساعدات.
– استعداد المقاومة لملء الفراغ.
يشير هذا سياسياً، إلى:
– إعادة إنتاج نموذج ما بعد 2006.
– تعزيز الاقتصاد الموازي وشبكات الرعاية الخاصة.
– تكريس معادلة “نحن نحمي ونُعيل” مقابل دولة عاجزة.
سابعا: تقدير الموقف:
البيان ليس مجرد موقف سياسي ظرفي، بل هو إعلان تثبيت للخيارات الاستراتيجية في لحظة إقليمية حرجة. وهو يؤكد أن:
– حزب الله لا يرى أي إمكانية لفصل لبنان عن صراع المحاور.
– الدولة اللبنانية تُطالَب إما بالتماهي مع خيار المقاومة أو تُتَّهم بالعجز والتقصير.
– أي تسوية داخلية أو خارجية لا تراعي هذه المعادلات ستُعتبر تسوية وهمية.
بكلام آخر، البيان يعكس انتقال الحزب من مرحلة الدفاع عن شرعيته إلى مرحلة فرض شروطه السياسية في الداخل، على قاعدة أن ميزان القوة الإقليمي لم ينكسر بعد، وأن زمن الرهانات على إضعاف المقاومة لم يحن.



