
خاص – بيروت بوست
في قراءة استراتيجية – سياسية لخطاب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، يمكن القول إن النص لا يندرج في خانة التعبئة الخطابية التقليدية فحسب، بل يشكّل تقدير موقف متكامل يعكس رؤية الحزب للمرحلة المقبلة، داخليًا وإقليميًا، ويؤسّس لسردية سياسية – أمنية تهدف إلى تثبيت معادلات ما بعد الحرب وما بعد وقف إطلاق النار.
فأول ما يلفت في الخطاب هو إعادة تثبيت الشرعية المزدوجة للمقاومة: الشرعية الدينية (الجهاد ودفع العدوان) والشرعية الدستورية – الوطنية (الدستور ووثيقة الوفاق الوطني). رابط ليس تفصيلاً، بل يأتي في توقيت يتصاعد فيه النقاش الداخلي حول حصر السلاح ودور الدولة. فالشيخ قاسم، هنا، يوجّه رسالة واضحة مفادها أن المقاومة ليست حالة استثنائية ولا مرحلة انتقالية، بل مكوّن بنيوي في الكيان اللبناني، وأن أي مشروع نهوض للدولة، وفقا لمنطق الحزب، لا يمكن أن يقوم من دونها، بل يحتاجها سندًا وحماية.
في البعد السياسي الداخلي، يعكس الخطاب قلقًا محسوبًا من محاولات إعادة فتح ملف السلاح تحت عناوين سيادية أو إصلاحية. لذلك، يذهب الشيخ قاسم إلى رفع السقف، معتبرًا أن التجريد من السلاح هو الهدف المركزي لإسرائيل والولايات المتحدة، ما ينقل النقاش من كونه خلافًا لبنانيًا داخليًا إلى كونه جزءًا من مواجهة إقليمية – دولية. بهذا المعنى، يسعى الحزب إلى نزع الشرعية المسبقة عن أي طرح داخلي يناقش سلاحه، عبر وضعه في خانة الإملاءات الخارجية.
إقليميًا، يتّسم الخطاب بنبرة ثقة عالية تصل إلى حد إعلان الانعطافة الاستراتيجية. فتوصيف إسرائيل بأنها “أضعف من أي وقت مضى” وأنها “بلا قيمة من دون الولايات المتحدة” ليس مجرد توصيف معنوي، بل محاولة لترسيخ قناعة بأن محور المقاومة نجح في فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد، من غزة إلى لبنان واليمن، وأن الكيان دخل مرحلة انكفاء استراتيجي رغم تفوقه العسكري. توصيف يخدم هدفين: تعزيز معنويات البيئة الحاضنة، وتبرير خيار “الصمود الطويل” بدل الحسم السريع.
في المقابل، يحمل قول قاسم إن المقاومة معنية بأن تبقى إسرائيل “بلا حدود وبلا استقرار” دلالة سياسية – أمنية دقيقة. فهو لا يتحدث عن حرب شاملة وشيكة، بل عن إدارة صراع مفتوح بأدوات متعددة، يكون فيها الاستنزاف وعدم الاستقرار بديلاً عن المواجهة الكلاسيكية. مقاربة تنسجم مع واقع ما بعد الحرب، حيث يسعى الحزب إلى تثبيت الردع من دون الذهاب إلى تصعيد شامل، مع إبقاء هامش الضغط قائمًا.
أما في ما يتصل بإيران، فإن الإشادة الواضحة بالثورة الإسلامية وقيادتها تؤكد مجددًا التموضع الاستراتيجي للحزب داخل محور إقليمي واحد، في لحظة تتكثف فيها الضغوط والعقوبات والاصطفافات. فالإشارة إلى صمود إيران وتقدّمها ليست معزولة عن السياق اللبناني، بل تهدف إلى القول إن الرهان على إضعاف هذا المحور أو تفكيكه لم يعد واقعيًا.
أخيرًا، يحمل ختام الخطاب المتعلق بالانتخابات البرلمانية رسالة داخلية مزدوجة: تأكيد الانخراط في المسار الدستوري، وفي الوقت نفسه الاستعداد لمعركة سياسية – شعبية تهدف إلى حماية خيارات المقاومة داخل المؤسسات. بذلك، يظهر الخطاب كإعلان تموضع شامل: المقاومة باقية، الصراع مفتوح، والدولة، كما يراها الحزب، لا تُبنى ضدها بل معها.





