خاصأمن وقضاءإقليمياقتصادسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | الحريري من”الغياب المنظم” إلى “الانتظار النشط”

خاص – بيروت بوست

تحليل لكلمة سعد الحريري

شكلت كلمة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري محطة مفصلية، لأنها للمرة الأولى منذ اعتكافه السياسي تربط بوضوح بين “الوجود المعنوي” و”الاستعداد العملي” للعودة عبر بوابة الانتخابات النيابية.
فالكلمة لم تكن خطاباً عاطفياً تقليدياً، بل إعلان تموضع مدروس يحدد الخيارات ويرسم حدود المرحلة المقبلة.

أولاً: العودة المشروطة لا العودة الكاملة

لم يعلن الشيخ سعد عودة فورية إلى العمل السياسي اليومي، لكنه كسر عملياً قرار الانكفاء. عبارته:
“قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل”، والتي حملت دلالتين واضحتين:
– ربط العودة بشرعية الصندوق لا بالتسويات الفوقية.
– إبقاء هامش المناورة مفتوحاً بانتظار حسم مصير الاستحقاق الانتخابي.
هذا يعني أن الحريري لا يريد العودة كطرف ضعيف في معادلة مختلة، بل كلاعب يستند إلى تفويض شعبي واضح.

ثانياً: إعادة تجميع الساحة السنية

شهدت الساحة السنية، منذ تعليق الرئيس الحريري لنشاطه السياسي، تشتتاً غير مسبوق، حيث ركز الخطاب على فكرة أن “لستم قلة”، في محاولة لإعادة بناء الثقة الجماهيرية وكسر سردية التراجع والانكفاء.
هنا، لا يخاطب الحريري، مناصريه فقط، بل يوجه رسالة إلى القوى التي حاولت ملء الفراغ:
المرجعية لم تسقط، بل أخذت “استراحة محارب”.
رسالة تعيد سياسياً، خلط الأوراق داخل الطائفة السنية قبل أي انتخابات محتملة.

ثالثاً: رسالة مزدوجة لحزب الله والخصوم

الفقرة المتعلقة بـ: “دستور واحد”، “جيش واحد”، “سلاح واحد”، و”تطبيق الطائف كاملاً”، ليست تفصيلاً بل لبّ الخطاب السيادي، حيث اعاد الشيخ سعد تثبيت ثوابت 14 آذار ولكن بلغة أقل صدامية وأكثر دستورية، اذ لم يسمِّ خصماً مباشراً، لكنه رسم سقفاً واضحاً: “أي تسوية مستقبلية يجب أن تمر عبر الدولة حصراً”، ما يعني أنه لا يسعى إلى مواجهة مفتوحة، لكنه يرفض أي عودة على قاعدة المساومة على مشروع الدولة.

رابعاً: البعد الإقليمي – إعادة التموضع العربي
حديثه عن: لبنان العربي، الجسور لا الجدران،
التقارب الخليجي، العلاقة مع “سوريا الجديدة”،
كلها عبارات تشير إلى محاولة إعادة وصل ما انقطع إقليمياً.
اللافت هو الإشادة الصريحة بالرئيس السوري أحمد الشرع، ما يعكس قراءة واقعية لتحولات المشهد السوري، ومحاولة استباق أي تطبيع لبناني – سوري رسمي من دون أن يكون خارج المعادلة.
هي البراغماتية السياسية الواضحة، التي تختلف كليا عن خطاب القطيعة في مراحل سابقة.

خامساً: البعد الانتخابي – اختبار القوة
الرسالة الأهم في الكلمة هي أن تيار المستقبل مستعد للعودة عبر الانتخابات. لكن تقدير الموقف هنا يرتبط بثلاثة سيناريوهات:

– السيناريو الأول: إجراء الانتخابات في موعدها
في هذه الحالة: سيعود المستقبل بكتلة وازنة،
سيعاد توحيد جزء كبير من الصوت السني،
سيعاد تثبيت التوازن داخل المجلس النيابي.

– السيناريو الثاني: تأجيل الانتخابات: عندها يستفيد الحريري من إبقاء حضوره حياً شعبياً من دون اختبار القوة الفعلي.

– السيناريو الثالث: انتخابات بلا مشاركة واضحة
وهذا احتمال ضعيف بعد هذا الخطاب، لأنه رفع سقف التوقعات.

سادساً: قراءة في نبرة الخطاب
نبرة الخطاب جمعت بين: العاطفة الشعبية، الثقة بالنفس، تحدي الخصوم، خطاب الدولة،
في هي تركيبة مقصودة لإعادة إنتاج “الحريرية الوطنية” لا “الحريرية الخدماتية” فقط.

الخلاصة الاستراتيجية
– لم يعد سعد الحريري بعد… لكنه لم يعد خارج اللعبة.
– الانتخابات هي نقطة الارتكاز لأي عودة عملية.
– الخطاب أعاد توحيد القاعدة الشعبية وأربك الخصوم.
– إقليمياً، هناك محاولة إعادة تموضع ضمن محور الاعتدال العربي، فإذا استمرت الظروف الإقليمية في الاتجاه نحو التسويات، فإن 2026 قد تكون سنة إعادة إنتاج الدور الحريري.
– داخلياً، أعاد تثبيت معادلة: لا شراكة خارج إطار الدولة، أما إذا بقي الانسداد الداخلي قائماً، فقد تبقى العودة في إطار الحضور الرمزي المدعوم بزخم انتخابي مؤجل.
بكلمة واحدة: الحريري انتقل من مرحلة “الغياب المنظم” إلى مرحلة “الانتظار النشط”… والكرة الآن في ملعب الاستحقاق النيابي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى