خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | الانسحاب الأميركي الكامل من قاعدة عين الأسد

خاص – بيروت بوست

يشكّل الانسحاب الأميركي الكامل من قاعدة عين الأسد في غرب العراق حدثًا مفصليًا في المشهدين العراقي والإقليمي، نظرًا إلى الرمزية العسكرية والاستراتيجية التي تمثلها القاعدة منذ عام 2003، ثم بعد عودة القوات الأميركية إليها في إطار الحرب على تنظيم “داعش”.

فقاعدة عين الأسد لم تكن مجرد منشأة عسكرية، بل منصة نفوذ، ونقطة ارتكاز لعمليات المراقبة الجوية والاستخبارية، وورقة ضغط سياسي في التوازنات الداخلية العراقية. من هنا، فإن الخروج الكامل منها لا يمكن قراءته كإجراء تقني أو لوجستي فقط، بل كتحول سياسي – أمني يعكس إعادة تموضع أميركي أوسع في المنطقة.

أولًا: دلالات القرار الأميركي

– إعادة تعريف الأولويات الأميركية
ينسجم الانسحاب من عين الأسد مع توجه أميركي متدرج لتقليص الوجود العسكري المباشر في الشرق الأوسط، والتركيز على ساحات تعتبرها واشنطن أكثر أولوية، مثل المواجهة الاستراتيجية مع الصين، وإدارة الصراع مع روسيا.

فالعراق، من هذه الزاوية، لم يعد ساحة مركزية للانتشار العسكري الثقيل، بل ملفًا يمكن إدارته بأدوات أخف: مستشارون، تعاون استخباري، ونفوذ سياسي –  اقتصادي.

– الاستجابة للضغط الداخلي العراقي
تعرض الوجود الأميركي في العراق، وخصوصًا في عين الأسد، لضغط سياسي وشعبي متصاعد، تُرجم بقرارات برلمانية ومواقف رسمية تطالب بإنهاء الوجود الأجنبي. فالانسحاب الكامل يمكن اعتباره محاولة أميركية لامتصاص هذا الضغط، وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع قوى عراقية مسلحة قادرة على استنزاف القوات الأميركية.

– خفض كلفة الاستنزاف الأمني
عين الأسد كانت هدفًا متكررًا لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، واستمرار الوجود فيها بات عالي الكلفة أمنيًا وسياسيًا، لا سيما في ظل عدم وجود غطاء سياسي عراقي صلب يحمي هذا الوجود.

ثانيًا: الانعكاسات على الساحة العراقية

– تعزيز موقع القوى المناهضة للوجود الأميركي
يقرأ الانسحاب داخليًا كنصر استراتيجي للقوى التي رفعت شعار “إخراج القوات الأميركية”، ما يعزز رصيدها الشعبي والسياسي، ويمنحها دفعًا إضافيًا في معادلات السلطة.

– تحديات أمام الدولة العراقية
يضع الانسحاب الدولة العراقية أمام اختبار جدي: هل تستطيع ملء الفراغ الأمني والاستخباري الذي ستتركه القوات الأميركية؟ فعين الأسد كانت مركزًا لعمليات دعم جوي ومراقبة متقدمة، وخروج الأميركيين يفرض على بغداد تطوير قدراتها الذاتية أو البحث عن بدائل.

– إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة الأمنية
من المتوقع أن يؤدي الانسحاب إلى إعادة ترتيب داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، مع صعود أدوار قوى محلية وإقليمية في التدريب والدعم، ما قد يغيّر توازنات القوة داخل هذه المؤسسات.

ثالثًا: البعد الإقليمي والدولي

– مكسب استراتيجي لمحور طهران
إقليميًا، يُنظر إلى الانسحاب الأميركي من عين الأسد كجزء من تراجع النفوذ العسكري الأميركي في الهلال الممتد من العراق إلى سوريا. هذا التطور يصب في مصلحة إيران وحلفائها، الذين يعتبرون القاعدة رمزًا للحضور الأميركي في خاصرتهم الجغرافية.

– رسالة تطمين أم إعادة تموضع؟
في الوقت نفسه، تحاول واشنطن تقديم الانسحاب على أنه إعادة تموضع لا انسحابًا نهائيًا من العراق أو المنطقة، عبر التأكيد على استمرار الشراكات الأمنية والاقتصادية. إلا أن الحلفاء الإقليميين قد يقرأون الخطوة كإشارة إلى تراجع الالتزام الأميركي طويل الأمد.

– تأثير على الساحة السورية
عين الأسد كانت تشكل نقطة دعم لوجستي واستخباري للوجود الأميركي في سوريا. الانسحاب منها قد ينعكس على قدرة واشنطن على إدارة هذا الوجود، أو يدفعها إلى الاعتماد أكثر على قواعد أخرى في الإقليم.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

– سيناريو الفراغ المضبوط
تنجح الدولة العراقية، بدعم دولي غير مباشر، في ملء الفراغ، مع بقاء التعاون الأمني والاستخباري الأميركي من خارج القواعد الكبرى.

– سيناريو تعاظم نفوذ القوى الإقليمية
تملأ قوى إقليمية الفراغ الناتج، سواء عبر دعم فصائل محلية أو من خلال اتفاقات أمنية مباشرة مع بغداد، ما يحدّ من هامش المناورة العراقي.

– سيناريو عدم الاستقرار المرحلي
في حال فشل إدارة مرحلة ما بعد الانسحاب، قد تشهد بعض المناطق ارتدادات أمنية، خصوصًا إذا استُخدم الانسحاب في صراعات داخلية على النفوذ.

خامسا: تقدير الموقف
الانسحاب الأميركي الكامل من قاعدة عين الأسد ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في مسار إعادة تشكيل الدور الأميركي في الشرق الأوسط. هو انسحاب يحمل في طياته اعترافًا بحدود القوة، ومحاولة لإدارة النفوذ بأدوات أقل كلفة، لكن نتائجه النهائية ستتوقف على قدرة العراق على تحويله من لحظة فراغ إلى فرصة لتعزيز سيادته، وعلى كيفية تفاعل القوى الإقليمية مع هذا التحول.

في المحصلة، عين الأسد تُطوى كقاعدة، لكن تداعياتها ستبقى حاضرة في حسابات المنطقة لسنوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى