تقدير موقف استراتيجي | إرجاء الضربة لإيران… تراجع أم خداع؟

خاص – بيروت بوست
يثير الحديث المتكرر عن إرجاء أو تعليق توجيه ضربة عسكرية لإيران سؤالًا مركزيًا في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية: هل نحن أمام تراجع حقيقي في خيار المواجهة، أم أمام مناورة خداعية تهدف إلى كسب الوقت وإعادة التموضع؟
سؤال لا ينفصل عن طبيعة الصراع مع إيران، الذي يقوم تاريخيًا على إدارة “حافة الهاوية” (Brinkmanship)، لا على الحسم السريع، حيث تُستخدم التهديدات العسكرية كأداة ضغط سياسية ونفسية بقدر ما هي خيار عملياتي.
أولًا: دلالات الإرجاء في الحسابات الأميركية – الغربية
- تراجع تكتيكي لا استراتيجي
إرجاء الضربة لا يعني بالضرورة إسقاط الخيار العسكري من العقيدة الأميركية أو الإسرائيلية، بل يعكس في الغالب تقييمًا بأن كلفة الضربة في التوقيت الحالي أعلى من مكاسبها. فالولايات المتحدة تفضّل دائمًا تأجيل الصدام المباشر إذا كانت أدوات الضغط الأخرى (العقوبات، الردع، الحصار غير المباشر) ما تزال فعّالة. - أولوية إدارة المخاطر لا حسم الصراع
الضربة لإيران تحمل مخاطر توسّع إقليمي يصعب ضبطه، خصوصًا عبر ساحات الرد غير المتكافئ (لبنان، العراق، اليمن، الخليج). فالإرجاء هنا هو محاولة لإبقاء الصراع تحت سقف قابل للإدارة، لا تعبيرًا عن ضعف. - تداخل الجبهات الدولية
الانخراط الأميركي في ملفات كبرى أخرى يجعل فتح مواجهة شاملة مع إيران خيارًا مؤجلًا. هذا لا يعني التخلي عنه، بل إدراجه ضمن جدول زمني مرن مرتبط بتغيّر الظروف الدولية.
ثانيًا: الإرجاء كأداة خداع استراتيجي
- خفض مستوى الجهوزية الإيرانية
التسريبات عن تراجع أو تعليق الضربة قد تهدف إلى تخفيف مستوى الاستنفار الإيراني، وخلق شعور زائف بالأمان النسبي، ما يفتح نافذة مفاجأة في حال تنفيذ عمل عسكري لاحق. - استنزاف سياسي واقتصادي بطيء
الإرجاء يسمح باستمرار الضغط الاقتصادي والسياسي، وهو نمط أثبت فعاليته في إنهاك الداخل الإيراني من دون تحمّل كلفة الحرب المباشرة. - اختبار ردود الفعل الإقليمية
مرحلة الإرجاء تُستخدم لجسّ نبض الحلفاء والخصوم، وقياس مدى استعدادهم لتحمّل تبعات الضربة، ما يساعد في تحسين شروط أي عمل لاحق.
ثالثًا: قراءة السلوك الإيراني في ظل الإرجاء
- إيران لا تقرأ الإرجاء كتراجع كامل
القيادة الإيرانية تاريخيًا تتعامل مع هذه الإشارات بحذر شديد، وتفترض دائمًا أن خيار الضربة قائم، ولو مؤجلًا. لذلك تواصل تعزيز أدوات الردع غير المباشر بدل الاسترخاء. - تعظيم المكاسب خلال فترة الانتظار
طهران تستثمر زمن الإرجاء لتثبيت وقائع ميدانية وسياسية، سواء عبر البرنامج النووي، أو عبر توسيع هامش نفوذ حلفائها الإقليميين. - الرهان على طول النفس
الإرجاء يعزز القناعة الإيرانية بأن خصومها يفضّلون إدارة الأزمة لا حسمها، ما يدفعها إلى استراتيجية الصبر الاستراتيجي بدل التراجع.
رابعًا: موقف إسرائيل بين الإرجاء والتصعيد
- عدم الثقة بالإرجاء الأميركي
تل أبيب تنظر بعين الشك لأي حديث عن إرجاء طويل الأمد، وتخشى أن يتحوّل إلى سياسة احتواء تسمح لإيران ببلوغ عتبة نووية خطرة. - الاحتفاظ بخيار الضربة المنفردة
حتى مع الإرجاء، تعمل إسرائيل على تعزيز قدرتها على تنفيذ ضربات نوعية محدودة، أو عمليات سرية، كبديل عن الحرب الشاملة. - الضغط لإبقاء الخيار العسكري حيًا
التصعيد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي غالبًا ما يهدف إلى منع تحوّل الإرجاء إلى تراجع استراتيجي دائم.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
- سيناريو الخداع المدروس
يُستكمل الإرجاء مع استمرار التحضير العسكري، ثم تُنفّذ ضربة محدودة أو غير مباشرة في توقيت مفاجئ، ضمن استراتيجية تقليل المخاطر. - سيناريو التراجع المرحلي
يُستخدم الإرجاء كجسر لعبور مرحلة دولية معقّدة، على أن يُعاد إحياء خيار الضربة لاحقًا إذا فشلت أدوات الضغط الأخرى. - سيناريو الاحتواء طويل الأمد
يتحوّل الإرجاء إلى سياسة دائمة لإدارة إيران كقوة مزعزِعة لكن مُحتواة، مع قبول ضمني بواقع نووي رمادي.
سادسا: تقدير الموقف
إرجاء الضربة لإيران ليس تراجعًا استراتيجيًا بقدر ما هو إدارة زمن الصراع. هو مزيج محسوب من المناورة والخداع والضغط غير العسكري، يهدف إلى تحسين شروط المواجهة لا إلغائها. في المقابل، تدرك طهران هذا المنطق، وتتعامل مع الإرجاء كفرصة لتعزيز أوراقها لا كإشارة أمان.
عليه، فإن السؤال الحقيقي ليس هل الضربة أُلغيت، بل متى وبأي شكل، وهل ستكون عسكرية مباشرة أم عبر مسارات أقل كلفة وأكثر تعقيدًا.



