ميشال نصر
منذ قيام العلاقات بين الجمهورية اللبنانية والولايات المتحدة الأميركية، شكل الجزء العسكري منها مادة جدلية، خصوصا مع دخول المنطقة صراع المحاور منذ الخمسينات واستمرار ذلك حتى يومنا هذا، حيث كانت واشنطن أحد عوامل الجذب للدول الصغرى التي سعت إلى الحصول على حماية ورعاية تلك الدولة الكبرى، في ظل المتغيرات الدراماتيكية الكبيرة التي يشهدها الشرق الأوسط.
جدلية وجدت أرضا خصبة لها على الساحة اللبنانية، المنقسمة أساسا حول المحاور الأساسية لأزمات المنطقة، وصولا إلى العلاقة مع واشنطن ذاتها، في ظل “الازدواجية” الرسمية في التعاطي معها، نتيجة التركيبة الداخلية من جهة، ومن جهة أخرى، التوازنات الإقليمية والدولية التي تفرض الحاجة إليها في أكثر من ملف ليس آخرها ترسيم الحدود البرية مع إسرائيل، بعد إنجاز الشق البحري.
في هذا الإطار، يؤكد مصدر وزاري لبناني رافق العلاقات بين البلدين، أن الدولة اللبنانية تميز بين أكثر من مستوى على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، لذلك يقوم التعامل مع الأميركيين “على القطعة”، حيث ثمة مجالات تفرض على بيروت نمطا محددا من العلاقة على قاعدة “مكره أخاك لا بطل”، كما يحصل على صعيد بعض الملفات الحساسة. وإذا كان بالإمكان الحفاظ على هامش مناورة في المجال السياسي، فإن القاعدة نفسها تنطبق على واقع العلاقات العسكرية وظروفها الحاكمة.
وتشير المصادر إلى أنه ثمة أمور أساسية تحكم العلاقة الأميركية – اللبنانية على الصعيد العسكري، أهمها:
-اعتبار الإدارة الأميركية الجيش اللبناني أحد أعمدة الدولة الأساسية، وهو ما يسمعه الزوار اللبنانيون لواشنطن، وما يفسره أيضا الاستثمار الأمني والعسكري الضخم في دولة بحجم لبنان، حيث فاق المليارين ونصف المليار دولار خلال السنوات الأخيرة، والضغوط التي مارسها البنتاغون لتأمين مساعدات مالية عينية بالدولار للعسكريين.
-الدور المحوري للبنان في سياق الحرب ضد الإرهاب، نتيجة موقعه الجغرافي، كواجهة بحرية للوصول إلى أوروبا، ولتماسه المباشر مع المناطق المشتعلة في سوريا، كما لتكوينه الاجتماعي خصوصا مع تدفق النازحين السوريين وما شكلوه من بيئات حاضنة إلى جانب المخيمات الفلسطينية للمجموعات الإرهابية.
-النجاحات المتتالية التي حققها الجيش اللبناني في حربه ضد الإرهاب، سواء العسكرية مع إنجازه تحرير الأرض من الجماعات الإرهابية في معركة فجر الجرود، أو الحرب الاستباقية التي أدت إلى حرمان الإرهابيين من الموارد المالية واللوجستية وسقوط خلاياه النائمة والمستيقظة التي خططت لعشرات العمليات سواء داخل لبنان أو خارجه.
-إعجاب الأميركيين بالنموذج العسكري اللبناني لجهة كفاءته وقوة عزيمته وسرعة استيعابه للعتاد والدروس القتالية، وروح الإبداع التي يتحلى بها، من خلال تطوير بعض الأسلحة التي حصل عليها، أو لجهة استخدام القدرة القصوى للأسلحة الأميركية التي سلمت للجيش اللبناني.
-الدور الأساسي الذي تلعبه المخابرات العسكرية، والقيادة الوسطى الأميركية، المشجعتان لرفع نسبة التعاون بين الجيشين، ومد لبنان بكل ما يحتاجه من أسلحة وذخائر تسمح له بتنفيذ المهمات الموكلة إليه، وقد شكلا لوبيا مؤثرا داخل الإدارة الأميركية ما سمح للجيش اللبناني بتحصيل الكثير من الحاجات على صعيد السلاح والعتاد والتدريب.
-تاريخ العلاقة ،حيث إنه منذ قيام الدولة اللبنانية كان الخيار الأساسي للحكومات هو التوجه نحو الغرب للحصول على السلاح والتدريب، وبالتالي كانت الولايات المتحدة إحدى أبرز تلك الدول. وبما أن خيار السلطة السياسية لم يتغير حتى الساعة، بناء لمعطيات أبرزها قدرة الجندي اللبناني على التأقلم السريع مع السلاح المحقق والتدريب،كان خيار الجيش اللبناني بالسعي لدى واشنطن للحصول على حاجياته.
-المصلحة الأميركية في الحفاظ على الصداقة والتحالف القائم مع الجمهورية اللبنانية في ظل الصراع الإقليمي والدولي المحتدم في المنطقة، وإمكانية لبنان على هذا الصعيد من تحقيق مصالحه في الحفاظ على استقراره وأمانه، بما يمكن أن تؤمنه واشنطن بوصفها لاعبا أساسيا من مظلة استقرار يقيه تداعيات الأزمات المشتعلة ومخاطرها.
– نجاح لبنان في كسب ثقة الأميركيين، ما سمح بكسر العوائق التي كانت قائمة سابقا فيما خص الحصول على بعض الأسلحة، فكان قرار واشنطن بتسليم أسلحة نوعية للجيش من مدافع ميدان متطورة مع قذائفها بما فيها القذائف الذكية، عشرات صواريخ الـ”هيلفاير” ، طائرات السوبر توكانو المتطورة، مئات الصواريخ المضادة للدروع مع قاذفاتها من نوع تاو2، مئات العربات المصفحة من نوع “هامفي” ، وكذلك مدرعات من نوع برادلي، طائرات السيسنا، وحديثا التركيز على دعم القوات البحرية اللبنانية، التي أحدثت كلها فرقا في تحديث الجيش وتطويره، وكان لها دور أساسي في رفع جهوزيته القتالية وتأمين سرعة الحركة لوحداته، وكذلك الدعم الناري.
المصادر الوزارية رأت أن السلطات العسكرية والأمنية، نجحت حتى الساعة في لعب دور الوسط، فهي استطاعت الحصول من الأميركيين على حاجاتها من السلاح والعتاد، بعيدا عن الحسابات السياسية، من جهة، كما إنها نجحت في تطمين كافة الفئات اللبنانية إلى دورها ومهامها، في ظل الظروف الحالية التي يدركها الجميع.